عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث قراءة كتاب. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات
عرض المشاركات المصنفة بحسب مدى الصلة بالموضوع لطلب البحث قراءة كتاب. تصنيف بحسب التاريخ عرض كل المشاركات

الأحد، 28 نوفمبر 2021

قراءة مزدوجة في مدى إلزامية التنصيب البرلماني للحكومة


د. جابر لبوع

ربما سيصح نوعا ما أن نطبق المقولة التالية: قل لي ماذا يقول الدستور أقل لك من وكيف تكون الحكومة؟ فبعد انتظار طويل وبعد أخذ ورد من كل صوب وحدب، ها نحن نعاين حكومة شبه جديدة بحلة قديمة، فمنذ أن أعلن حزب الاستقلال انسحابه من حكومة ابن كيران في 8ماي 2013، وحالة من الأزمة السياسية رافقتها تحريك الأقلام والأقدام، وها نحن نشهد عن ولادة حكومة تضع حدا لأزمة الأغلبية. هذه الولادة العسيرة ربما قد تبدو سطحيا ولادة صحيحة وسليمة، لكن إذا ما عدنا إلى الأصل الذي يؤطر لكل السلوكات والتصرفات القانونية، فإن الأمر قد يستوقف لطرح يعض الملاحظات والتساؤلات:  إذا كان الدستور ينص في الفصل 47 منه على مسطرة إقالة واستقالة الوزراء، فما هي المسطرة والإجراءات التي اتبعت عند انسحاب الاستقلال؟ وبغض عن هذا السؤال هل ينص الدستور على كيفية إجراء التعديل في الحكومة القائمة؟ إذا كان الجواب بغياب نص صريح فهل من حل دستوري؟ ربما إذا رجعنا إلى الفصل 47 سنجده ينص على أن الملك يعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها، وهو ما يعني أن رئيس الحكومة سيتبع نفس الإجراء أثناء التعديل الحكومي، بالقياس على الفقرة الثانية من ذات الفصل، لكن الإشكال سيطرح حول ما الذي نتحدث عنه هل نتحدث عن حكومة جديدة أم تعديل حكومي؟ فالأصل هو أننا أمام ترميم حكومي للأغلبية وهو ما يفيد التعديل جراء تفكك الأغلبية الحكومية، وليس حكومة جديدة كما يدعى (بضم الياء). فما هي اجراءات هذا التعديل التي يجب اتباعها؟ فالذي كان من المنتظر هو أن تبحث الحكومة عن تحالف آخر، وهو الذي فيه وفقت، وتعوض المناصب الوزارية التي أصبحت منذ أن أعلن حزب الاستقلال عن انسحابه وزارات تصريف الأعمال. لكن الأمر مختلف إذ تم إعادة هيكلة التشكيلة الحكومية السابقة كلها تقريبا، وهو الأمر الذي زاد الطين بلة لطرح بعض الأسئلة من قبيل: هل يجوز ذلك دستوريا؟ إعادة الهيكلة يعني أن يقوم رئيس الحكومة بإعفاء الوزراء الآخرين من مهامهم عن طريق تقديم الطلب إلى الملك، كإجراء دستوري، ثم بعد ذلك يقترح لائحة جديدة للملك ليعينها.

إن التعمق في تفسير النصوص الدستورية، وتحليلها، تؤدي إلى نتيجة مزدوجة، فمن جهة، يمكن القول بضرورة وإلزامية التنصيب البرلماني، ومن جهة أخرى، يتضح عدم إلزامية التنصيب البرلماني. والسؤال الذي يبقى مطروحا في ظل غياب أية جهة تكون تفسيراتها للدستور ملزمة، هو أي من التفسيرين يكون صائبا؟

وعلى هذا الأساس سنحاول أن نعالج هذا الموضوع من ثلاثة زوايا:

أولا: المرجعية الدستورية للتعديل الحكومي

ثانيا: إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها

ثالثا: الدستور وعدم إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها

أولا: المرجعية الدستورية للتعديل الحكومي

بعدما أعلن حزب الاستقلال الانسحاب من الأغلبية الحكومية، أصبح على رئيس الحكومة ومن واجبه البحث عن تحالف جديد أو عن حزب آخر ليتم على إثره ترميم أغلبيته الحكومية، وهو الأمر الذي حدث بالفعل بعد مشاورات دامت ثلاثة أشهر ليتم التوافق حول صيغة التعديل.

وبالرجوع إلى دستور المملكة[1] فإننا لن نجد فيه أي مقتضى صريح يتحدث عن التحالف الحكومي وعن طبيعة التشكيلة الحكومية، فقد جاء الفصل 47 من الدستور واضحا، بحيث ينص على أن:"يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها؛

ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها"

 فهذا الفصل لا يفيد سوى الجهة المختصة بالتعيين ولا ينص على طبيعة التشكيلة الحكومية، وهو الأمر الذي كان المشرع الدستوري صائبا فيه إذ ترك الأمر مفتوح للسلطة التقديرية لرئيس الحكومة فإن شاء بحث عن تحالف وإن لم يشأ فله كامل الصلاحية في ذلك، فعمومية هذا النص تجد تبريرها في إمكانية حصول الحزب الفائز في الانتخابات على الأغلبية المطلقة للأصوات، وهو الأمر نفسه الذي لا يستدعي من الحزب الفائز عقد تحالفات مع الأحزاب الأخرى ما دامت الأغلبية متوفرة. إن واقع الأمر يتجاوز هذه النظرة ففي المغرب ونظرا لطبيعة النظام الحزبي والخريطة المتحكمة في الانتخابات فإنه يصعب على أي حزب أن يحصد الأغلبية المطلقة للأصوات. مما يفرض عقد تحالفات يكون أساسها التوافق على البرنامج الحكومي، وهو ما يجعل دائما من هذا التحالف مهددا بالفسخ والانهيار نظرا لعدم ثبات الحياة السياسية ونظرا لتباين المواقف حولها. وهو ما حدث بالفعل عندما أقدم حزب الاستقلال على الانسحاب من الحكومة، وفرض إجراء تعديل في التشكيلة الحكومية، لكن ما هو الأساس الدستوري لهذا للتعديل؟ فقد ثارت العديد من النقاشات في هذا السياق حول ما الذي نتحدث عنه الآن، هل نحن أمام حكومة جديدة أم أمام تعديل حكومي جزئي أم نحن نتحدث عن إعادة هيكلة التشكيلة الحكومية؟

إذا عدنا مرة أخرى إلى الدستور لاستخراج الاحكام التي يمكن أن تنطبق والحكومة هاته، فلا يسعنا إلا أن نرجع إلى الفصل 47 من الدستور (الفقرة 4 و5) الذي ينص على ما يلي[2]: ...ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة. ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة بناء على استقالتهم الفردية أو الجماعية.

يستفاد من هاتين الفقرتين، أن الدستور أعطى لرئيس الحكومة الحق في إعفاء أعضاء الحكومة أفرادا أو جماعات بمبادرة منه بمثل ما أعطى الحق لأعضاء الحكومة الآخرين حق الاستقالة بمبادرة منهم، وهو الذي حدث عندما قدم وزراء حزب الاستقلال استقالتهم وقبلها الملك. مما يستدعي من الأمر إجراء تعويض للمناصب الوزارية الشاغرة، وما دامت الحكومة حكومة الأغلبية فإن الأمر يتطلب البحث عن حزب لترميم الأغلبية، فالدستور لا ينص إلا على الكيفية التي يتم بها إعفاء الوزراء واستقالتهم أما دون ذلك فيبقى الأمر غامضا، وأي تفسير ربما قد يكون صائبا بمثل ما يحتمل الخطأ. وعليه فإن ما يتطلبه واقع الأمر هو العودة من جديد إلى تطبيق الفقرة الثانية من الفصل 47 من الدستور، بعد استنفاذ الاجراءات الأخرى التي تكمن في قبول استقالة أعضاء الحكومة وصدور ظهير ملكي في شأنه يوقعه بالعطف رئيس الحكومة، وينشر بالجريدة الرسمية وهو ما تم بالفعل بصدور الظهير الشريف رقم 1.13.105[3] الصادر في 14 اكتوبر 2013 بتغيير الظهير الشريف رقم 1.12.01 الصادر في 3 يناير 2012 بتعيين أعضاء الحكومة[4]، الذي نص في  مادته الأولى على ما يلي: ابتداء من 10 اكتوبر 2013 يعفى أعضاء الحكومة الآتي بيانهم من مهامهم، والتي شملت 7 وزراء و4 وزراء منتدبين.

 وإذا حاولنا التمعن في الظهير سيتضح أن النسخة الثانية من حكومة ابن كيران، هي عبارة عن إعادة ترميم للأغلبية لتستمر في ممارسة مهامها الدستورية، لكن الأمر لم يتوقف عند الترميم وفقط بل تجاوزه إلى إعادة توزيع المناصب الوزارية من جديد، وإعادة هيكلة للتشكيلة الحكومية، وهو الأمر الذي لم نجد له سندا دستوريا، إلا أنه يمكن القول بأن قواعد الممارسة السياسة تفرض مثل هذه التنازلات عندما يتعلق الأمر بإعادة بناء التحالف الحكومي. وهو ما فتح الباب لمجموعة من النقاشات والتساؤلات حول مدى دستورية هذه الحكومة؟  هل الحكومة يتوجب عليها أن تقدم برنامجها من جديد إلى البرلمان لتنال تنصيبها أم أنها غير ملزمة بتقديم برنامجها لأنها ليست حكومة جديدة منبثقة عن انتخابات جديدة حتى يتطلب الأمر ذلك؟

ثانيا: في مدى إلزامية الحكومة تقديم برنامجها

لقد تباينت الرؤى في مدى وجوب تقديم البرنامج الحكومي لتنال الحكومة المعدلة التنصيب النهائي فهناك من ذهب في اتجاه عدم إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها أمام البرلمان وحججه في ذلك تنطلق من ظهير التعيين، حيث اعتبر هذا الاتجاه بأن أول قاعدة هنا، لمن يستوعب الأسس القانونية لظهائر التعيين، تكمن في أن ظهير التعديل الحكومي جاء معدِّلا ومغيِّرا لظهير تعيين الحكومة التي تشكلت أول الأمر في يناير 2012، لذا لو كان الأمر يتعلق  بحكومة جديدة لكان تعيينها قد تم بظهير جديد كليا وليس بتعديل ظهير 2012، وفي ديباجة ظهير التعديل الحكومي تمت الإحالة بشكل جليّ على الفصل 47 من الدستور، الذي ينظم مسطرة التعديل الوزاري، ولم يشر بتاتا لوجود أية حكومة جديدة ولم يحل على الفصل 88 الذي يتعلق بتشكيل الحكومة من أساسها، وعلى هذا الأساس يكون أساس وجود الحكومة واضح دستوريا، فهي حكومة تشكلت يوم 3 يناير 2012، وحازت على التنصيب البرلماني آنذاك وفق أحكام الفصل 88 من الدستور، وعرفت يوم 10 أكتوبر 2013 تعديلا هم جزءا كبيرا من أعضائها لكنه لم يعطها صفة الحكومة الجديدة بأي حال من الأحوال، وذلك تأسيسا على صريح مواد ظهير التعديل الحكومي، وعلى استمرارها بشكل عادي رغم استقالة وزراء الاستقلال من بضعة أشهر[5].

إن أهمية هذا الرأي تعتبر جد قوية من حيث الحجة والتبرير القانوني الذي يستند إليهما للقول بعدم إلزامية التنصيب للحكومة المعدلة، ومن حيث الاشكالات والتساؤلات التي سيطرحها، فمثلا هل الوقوف على صياغة الظهير الشريف وبنائه الدستوري يقف حائلا دون تقديم البرنامج الحكومي ما لم يتم ربط الفصل 47 من الدستور بالفصل 88 منه في الظهير الشريف؟ وكما هو معلوم فإن الاستناد في البناء القانوني للظهير على الفصل 47 يجد سنده فيما خصه الدستور من صلاحية للملك وليس لهم الحق حتى أن يقحموا الفصل 88 في ظهير التعيين لأن هذا الفصل الأخير يدخل من صميم الصلاحيات الممنوحة لأعضاء البرلمان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهل يمكن اعتبار الحكومة منصبة بأثر رجعي؟ وهل البرنامج الحكومي يلزم الحكومة والبرلمان مدة الولاية كاملة؟ فالدستور عندما ربط تحمل الحكومة مسؤوليتها واستكمال تنصيبها عن طريق التصويت البرلماني على البرنامج الحكومي، لم يقم بربطه بالفصل 47 من الدستور مباشرة بل جاء منفصلا عنه ومكملا له.  وهذا لا يعني أن البرنامج الحكومي يسري أثره طيلة مدة ولاية الحكومة حتى في حالة إجراء تعديل حكومي، فالفصل 88 جاء واضحا ولم يتحدث لا عن حكومة جديدة ولا عن حكومة قديمة، إذ نص على أنه: بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة...... ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه...،

تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي.[6]

وما يمكن أن يستفاد من هذا التنصيص، هو أن مقياس وجود الحكومة يرتبط ارتباطا وثيقا بمفهوم الأغلبية، لأن الأمر هنا يتجاوز المفهوم الوظيفي للعلاقة بين الحكومة والبرلمان، ويصب في العلاقة السياسية بين الأغلبية البرلمانية والحكومة.

وفي نفس الاتجاه نجد أن الأستاذ خالد الناصري، اعتبر هو بدوره أن الحكومة غير ملزمة في تقديم برنامجها، ورغم أنه لا يستند على الظهير إلا أن تصريحه يوحي بأنه يرى بعدم إلزامية التنصيب البرلماني للحكومة ما دامت قد حصلت على أغلبيتها[7].

الرأي الثاني: يذهب في اتجاه الزامية الحكومة في تقديم برنامجها أمام مجلس النواب، وحجتهم في ذلك هو التعيين الملكي الذي يستتبعه التنصيب البرلماني حسب منطوق الفصل 88 من الدستور[8]، إضافة إلى استنادهم على البلاغ الصادر من الديوان الملكي والذي يتحدث عن حكومة جديدة وليس تعديل حكومي.

وتماشيا مع هذا الاتجاه، فإن التعيين الملكي يستتبعه بالضرورة تقديم البرنامج الحكومي أمام البرلمان، ما دام الأمر يتعلق بإعادة بناء الأغلبية، حيث أن الحكومة في كل الأحوال ملزمة لكي تنال التنصيب البرلماني بعرض برنامجها لكي يتم التصويت عليه في مجلس النواب، لأن الأمر يتعلق هنا بالأغلبية، ولا يمكن أن يسري البرنامج الذي طالما كان قد حظي بأغلبية الأصوات، طيلة مدة ولاية الحكومة، لأن الفصل 88 جاء مقيدا للفصل 47 من الدستور  بناء على قاعد النص الخاص يقيد النص العام ، بدون أن يضع أية شروط، لأن المشرع عندما يريد أن يقصد شيئا فهو يقصده مباشرة، فلو كان الحديث في الفصل 88 عن حكومة جديدة تنبثق عن انتخابات جديدة لكان قد أكد على ذلك بصريح النص، فالنص الدستوري ينص على أنه بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة سواء جراء انتخابات جديدة أو جراء إجراء تعديل حكومي، تتقدم الحكومة بعرض برنامجها للحصول على ثقة مجلس النواب، رغم ذلك فإن تضارب التفسيرات دائما يكون نتيجة عمومية وغموض النص الدستوري، الذي لا يعطي إجابات صريحة لكل الظواهر السياسية كما أن المشرع الدستوري لا يمكن له أن يتنبأ بها كلها.

في ظل التجارب الدستورية السابقة، خصوصا بعد التعديل الدستوري لسنة 1996، انقسم الرأي في الفقه الدستوري المغربي في مسألة التنصيب بمناسبة تقديم البرنامج الحكومي، إلى اتجاهين،  الاتجاه الأول وهو الذي يعتبر أن الحكومة تعتبر قائمة الذات بمجرد تعيينها من طرف الملك وهو الأساس الدستوري لمسؤولية الحكومة أمام الملك وبالتالي فالتنصيب أحادي، أما الاتجاه الثاني وهو الذي يعتبر ان الحكومة لا يمكن أن تباشر أعمالها  بعد تعيينها من طرف الملك إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالمعبر عنها بالأغلبية المطلقة، فالرفض أو الموافقة هما الأساس الدستوري لمسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، وبالتالي فتنصيب الحكومة هو تنصيب مزدوج. وإذا كان هذا النقاش شرعيا في ظل الدساتير السابقة، فإن ذلك قد أغنى الساحة الفقهية المغربية بأفكار وآراء من الممكن أن تساعد وتساهم في بلورة ممارسة دستورية وسياسية أساسها انبثاق الحكومة عن أغلبية برلمانية تدعيما وتقوية للطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، وهو ما حدث بالفعل مع دخول دستور 2011، حيز التنفيذ، بحيث سيحسم نهائيا في الأمر عن طريق التقعيد الدستوري ليجعل من مسألة التنصيب البرلماني أمر لا محيد عنه، وهو ما ينسجم و الممارسة الديمقراطية في الأنظمة البرلمانية الحديثة، التي تكون فيها الحكومة منبثقة من الأغلبية.

وإذا كنا فيما سبق قد تطرقنا إلى الرأيين المتضاربين حول التنصيب البرلماني للحكومة المعدل، وما دام المؤيدين لعدم إلزامية الحكومة بتقديم برنامجها في الحالة التي نحن بصدد الحديث عنها لم يؤسسوا بما فيه الكفاية دستوريا لموقفهم، بمثل ما لم يؤسس الرأي المضاد لضرورة تقديم الحكومة لبرنامجها، فهل فعلا الدستور المغربي، يخلوا من جواب على هذه الحالة؟

ثالثا: الدستور وعدم إلزامية الحكومة المعدلة في تقديم برنامجها

إن التمعن في النص الدستوري، وقراءته قراءة تجعل منه كتلة نصية واحدة متجانسة ومتراصة، توحي بأن رئيس الحكومة، دعما وتقوية للمركز الدستوري الذي أصبح يحتله بموجب نصوص دستور 2011، غير ملزم بعرض البرنامج الحكومي من جديد. ولتبسيط هذه الرؤية سنحاول أن نتناولها على الشكل التالي:

1-          قراءة فقرات الفصل 47 من الدستور في ترابطها توضح أن رئيس الحكومة يشكل عنصر مركزي فيها، وذلك كالآتي:

أ‌-               أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها.

ب‌-           الإعفاء الملكي لأعضاء الحكومة مقرون بالاستشارة القبلية لرئيسها.

ج‌-            حق رئيس الحكومة إعفاء أعضاء الحكومة بمبادرة منه.

د- استقالة عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة لا يتم مباشرة أمام الملك، بل من خلال رئيس الحكومة.

ه- استقالة رئيس الحكومة تؤدي إلى إعفاء الحكومة بكاملها.

2-          الفصل 88 من الدستور هو بدوره يمكن أن يبرر عدم إلزامية الحكومة المعدلة بتقديم برنامجها، بحيث أن ذات الفصل رغم أنه لا يشير إلى الأزمنة التي يمكن أن تنال فيها الحكومة تنصيبها، فإنه يمكن أن يؤكد بأن التنصيب البرلماني يتم بمجرد إعلان التشكيلة الحكومية الجديدة بعد الانتخابات، وليس جراء إجراء تعديل حكومي، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، ما دام أن رئيس الحكومة هو الذي يتحمل مسؤولية الحكومة بكاملها، فإن العبارة فإن العبارة الواردة في الفصل 88 من الدستور "...يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه"، تفيد بأن أعضاء الحكومة معفيين من هذا الإجراء، وهو ما يتماشى مع تقوية دور رئيس الحكومة في الدستور الجديد، لأن الحصول على ثقة البرلمان في المرحلة الأولى تتعلق برئيس الحكومة وحده وفي إطار التضامن الحكومي، وذلك من خلال التصويت بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب لصالح البرنامج الحكومي. وعدم حصول رئيس الحكومة على هذه الأغلبية، فإن المسؤولية يتحملها هو وحده، لأنه بسقوط رئيس الحكومة تسقط الحكومة برمتها، من الناحية المنطقية. لكن إذا ما تعمقنا في النص الدستوري قد يفيد الأمر عكس ذلك، أي أنه في حالة التصويت بالأغلبية المطلقة ضد البرنامج الحكومي، فإن ذلك لا يؤدي إلى سقوط الحكومة، كيف ذلك؟

ينص الفصل 88 من الدستور في فقرته الأخيرة على ما يلي:" تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بتصويت بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم، لصالح البرنامج الحكومي"، لكن هذا النص يفتح الباب للتفسير المرن عندما تغيب فيه تبعات وآثار عدم الحصول على هذه الأغلبية المطلقة أو في حالة التصويت بالأغلبية المطلقة ضد البرنامج الحكومي؟

إذا كان الدستور 1996 واضحا في الآثار المترتبة عن عدم منح الثقة للحكومة في برنامجها الحكومي، والمتمثلة في تقديم الحكومة لاستقالتها الجماعية أمام الملك عملا بمقتضيات الفصل 75 من ذات الدستور، فإن الفصل 88 من الدستور المراجع لسنة 2011 لم يورد مقتضيات واضحة في هذا الخصوص، ولم يشر إلى أية إمكانية للاستقالة الجماعية للحكومة في حالة التصويت بالرفض على برنامجها الحكومي، فالفقرة الثانية من الفصل 88 اكتفت بتحديد نصاب التصويت، لصالح البرنامج الحكومي.

 ولو حاولنا تقريب الفصل 88 من الفصل 103، سيكون جوابنا هو عدم وجود أية صلة ما بين ما هو منصوص عليه في مسطرة البرنامج الحكومي وبين ما هو مقرر بشأن التصريحات الحكومية ورفض النصوص القانونية المنصوص عليها في الفصل 103 من الدستور الجديد، نظرا لكون إجراءات الفصل 88 من الدستور تتحدث عن شرط الأغلبية المطلقة للموافقة على البرنامج الحكومي، في حين نجد أن الإجراءات المسطرية المقررة في الفصل 103 من الدستور تتحدث عن شرط الأغلبية المطلقة من اجل رفض التصريح الحكومي أو التصويت بالرفض على نص قانون. الأمر الذي يفيد أن الاستقالة الجماعية للحكومة أمام الملك تتقرر إذا ما تم سحب الثقة من الحكومة إعمالا لمسطرة الفصل 103 وليس في شأن التصويت على البرنامج الحكومي طبقا للفصل 88، وذلك خلافا لما كان ينص عليه دستور 1996، حيث الترابط الواضح بين الفصل 60 منه[9] والفصل 75[10].

وعلى هذا الأساس أصبح التصويت على البرنامج الحكومي في ضوء المستجدات الدستورية الأخيرة لا يترتب عنه آثار استقالة الحكومة، ولكن في مقابل ذلك أصبحت إمكانية إجبار الحكومة على إعادة صياغة برنامجها الحكومي قائمة وممكنة الحدوث بدون أي تعقيدات مسطرية، ولعل هذا يفتح المجال أمام مجلس النواب بأن يكون فاعلا أساسيا في مجال إعداد السياسات العامة للدولة.

3-          المؤشر الأخير الذي يمكن أن يؤدي بنا إلى القول بعدم إلزامية تنصيب الحكومة المعدلة، هو منطوق الفصول 89 و90 و92 و93 من الدستور. إن ربط هذه الفصول فيما بينها يمكن أن تفيد بأن رئيس الحكومة غير ملزم بتقديم برنامجه مرة ثانية لينال التنصيب البرلماني، فرئيس الحكومة هو المسؤول عن حكومته وعن تصرفات الوزراء، وهكذا نجد أن:

أ‌-               الفصل 89 ينص في فقرته الثانية على أن:" تعمل الحكومة، تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي"، وبالتالي إذا لم يرضى أعضاء في التحالف الحكومي على هذا البرنامج بعدما كانوا قد صوتوا عليه بالإيجاب، فهناك مخرجين، الأول يتعلق بإعطائهم الحق في مجلس الحكومة بأن يقترحوا ما يرونه مناسبا لكي يتم إدراجه في جدول الأعمال، وما دام رئيس الحكومة هو الذي له القرار النهائي، فهو غير ملزم بالأخذ بها. المخرج الثاني، إما أن يقوموا بالخروج عن مضامين البرنامج الحكومي في إطار القطاعات التي يسيرونها، وهذا أمر مستبعد ما دام رئيس الحكومة يظل مراقبا ومسؤولا، عما يصدرونه من قرارات، وهو ما يفتح له الباب لإعفائهم من مهامهم. وإما أن يقدموا استقالتهم، ويباشر رئيس الحكومة في اتخاذ الإجراءات الدستورية اللازمة.

ب‌-           المقررات التي يصدرها رئيس الحكومة يوقعها بالعطف الوزراء المكلفين بتنفيذها، وهم بذلك يتحملون المسؤولية عن تنفيذها.

ج- رئاسة رئيس الحكومة للمجلس الحكومي دليل واضح على مركزه ومكانته في الدستور.

د- مسؤولية الوزراء عن تنفيذ السياسة الحكومية، المسندة إليهم من طرف رئيس الحكومة، ووجوب إطلاع المجلس الحكومي عن أدائهم في ذلك.

يشكل كل ما أسلفنا ذكره، مؤشرات دالة على أن الحكومة لا تتحمل مسؤولية مجزأة أمام البرلمان، بل يعتبر رئيس الحكومة المركز الرئيسي في كل التصرفات، وبالتالي فإن الانشقاق داخل صفوف التحالف الحكومي، لا يؤدي بالضرورة، بعد إعادة تشكيل الأغلبية إلى تقديم البرنامج الحكومي امام البرلمان لينصب الحكومة مرة ثانية.

وعطفا على كل ما سلف، يمكننا أن نسجل النتائج التالية:

-      تفسير الدستور يؤدي بنا إلى النتيجتين معا.

فمن جهة إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها نسجل ما يلي:

-      قراءة الفصل 47 لا يمكن أن نفصلها عما ينص عليه الفصل 88 من الدستور.

-      أن إجراء التعديل في الحكومة لا يحول دون تقديم البرنامج الحكومي، ما دام الأمر يتعلق بالأغلبية، وبالتالي يعني البحث عن سبل الاستمرارية، وهو الامر الذي يستدعي كذلك إعادة صياغة بنود البرنامج الحكومي من جديد وعرضه للتصويت داخل مجلس النواب.

ومن جهة عدم إلزامية الحكومة في تقديم برنامجها، يتضح ما يلي:

-      هو القراءة المكتملة لنصوص الدستور ككتلة نصية واحدة تؤدي عكس نتائج قراءة الفصل 47 و88 من الدستور.

-      غياب الآثار القانونية في حالة التصويت ضد البرنامج الحكومي.

-      مركز رئيس الحكومة في الدستور الجديد يحول دون تقديمه للبرنامج الحكومي مرة ثانية.

وما دام الدستور يعطي لنا تفسيرين، بالإضافة إلى تضارب التفسيرات لنص الدستور بين التفسير الحكومي الذي يرى بأن الحكومة منصبة قبليا، والتفسير البرلماني(المعارضة) الذي يرى بضرورة استكمال الحكومة لوجودها القانوني، فإن الأمر يستدعي توفر هيئة خاصة لتفسير الدستور لتجاوز كل الخلافات التي يمكن أن تحدث بين المؤسسات، وتفاديا للتفسيرات الخاطئة للدستور.



[1] - ظهير شريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432 (9 يوليوز 2011) بتنفيذ الدستور، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليوز 2011.

[2] - الفصل 47 من دستور المملكة لسنة 2011.

[3] - الظهير الشريف رقم 1.13.105 الصادر في 8 ذي الحجة 1434 (14 اكتوبر 2013) بتغيير الظهير الشريف رقم 1.12.01 الصادر في 9 صفر 1433 (3 يناير 2012) بتعيين أعضاء الحكومة، الصادر في الجريدة الرسمية عدد 6195، في 8 ذي الحجة 1434 (14 اكتوبر 2013)، ص: 6500.

[4] - الظهير الشريف رقم 1.12.01 الصادر في 3 يناير 2012 بتعيين أعضاء الحكومة، الجريدة الرسمية عدد 6009 مكرر، الصادرة في 4 يناير 2012، ص: 154.

[5] - وهذا الموقف يتبناه أستاذ القانون الدستوري وعضو في المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية، عبد اللطيف بروحو. وهو ما صرح به في برنامج مواطن اليوم، أي قراءة ممكنة لحكومة ابن كيران الجديدة؟ المنظم من طرف إذاعة ميدي1، يوم 11/10/2013.

[6] - الفصل 88 من دستور المملكة لسنة 2011.

[7] - لقد صرح الأستاذ خالد الناصري، على هامش المؤتمر الاستثنائي لحزب التقدم والاشتراكية المنعقد في 13 أكتوبر 2013، بأن الحكومة قد برزت وهي مكتملة الأطراف بعد التعيين الملكي، وهذا بعد نقاش عمر أكثر من اللازم، ويرجع ذلك إلى التعقيدات المرتبطة بالخريطة السياسية المغربية، لأن تشكيل الحكومة يكون دائما قائما على مجموعة من المقاربات المتقاطعة بين الفرقاء الذين يشكلون الأغلبية طالما أن البرلمان لا يقوم على أغلبية قائمة على حزب واحد وكل الحكومات في المغرب قامت بناء على توافقات. وقد ألح الأستاذ على ضرورة أن تنطلق هذه التجربة الحكومية الجديدة في جو من الانسجام أكثر مما كان حاصلا بالنسبة للحكومة الأولى. فهذا الرأي رغم أنه فيه نوعا ما إقحام سياسي للتأويل الدستوري نظرا لأن حزب التقدم والاشتراكية يعتبر جزء من التحالف الحكومي، إلا أنه من زاوية سياسية قد يكون فيه نوعا من الموضوعية، التي ترى ضرورة مشاركة مختلف الفاعلين معارضة وأغلبية على إنجاح التجربة الحكومية الحالية.

[8] - وهو الاتجاه الذي دافع عنه كل من الأستاذ حسن طارق والأستاذ عبد الرحيم منار السليمي،  في برنامج مواطن اليوم المشار إليه سابقا، وتجدد هذا الموقف أثناء انعقاد اليوم الدراسي حول قراءة في كتاب الاستاذ حسن طارق، الدستور والديمقراطية-قراءة في التوثرات المهيكلة لوثيقة 2011- المنظم بجامعة محمد الخامس أكدال-الرباط من طرف مرصد تحليل السياسات في 13 نونبر 2013،  بالإضافة إلى مجموعة من الأساتذة الجامعيين الذي أكدوا في العديد من اللقاءات على ضرورة حصول الحكومة الجديدة على ثقة البرلمان من خلال تقديم البرنامج الحكومي.

[9] - تنص الفقرة الثانية من الفصل 60 من دستور المملكة لسنة 1996 على:" ... يتقدم الوزير الأول أما كلا مجلسي البرلمان بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه، ويجب أن يتضمن هذا البرنامج الخطوط الرئيسية لعمل الذي تنوي الحكومة القيام به في مختلف مجالات النشاط الوطني وبالأخص في ميادين السياسية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخارجية.

يكون البرنامج المشار أعلاه موضوع مناقشة أمام كلا المجلسين ويتلو مناقشته في مجلس النواب تصويت يجب أن يقع وفق الشروط المنصوص عليها في الفقرتين الثانية والثالثة من الفصل 75 ويترتب عليه الآثار المشار إليها في الفقرة الأخيرة منه".

[10] - ينص الفصل 75 من دستور 1996 على ما يلي:" بإمكان الوزير الأول أن يربط لدى مجلس النواب مواصلة الحكومة مسؤوليتها بتصويت يمنح الثقة بشأن تصريح بفضي به الوزير الأول في موضوع السياسة العامة أو بشأن نص يطلب الموافقة عليه.

 لا يمكن سحب الثقة من الحكومة أو رفض النص إلا بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب.

لا يقع التصويت إلا بعد مضي ثلاثة أيام كاملة على اليوم الذي طرحت فيه مسألة الثقة.

يؤدي سحب الثقة إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية"

مقال منشور على الموقع التالي: https://www.marocdroit.com بتاريخ 4 دجنبر 2013


الثلاثاء، 5 أكتوبر 2021

دراسة حول تفكك الأغلبية الحكومية

 



الإجابة الدستورية على تفكك الأغلبية الحكومية

د. جابر لبوع باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية


مقدمة

كما هو متعارف عليه في أبجديات علم السياسة والقانون الدستوري، فإن أي نظام ديمقراطي يقتضي وجود مؤسسات منتخبة تقوم بوظيفة التعبير عن الإرادة العامة، ولكي يتم التعبير عنها كان لابد من وجود مؤسسات وهيئات سياسية تقوم بهذه الوظيفة، وتشكل الأحزاب السياسية واسطة للتعبير من خلال هذه المؤسسات، بحيث احتلت مكانة هامة سواء من الناحية الفقهية أو من ناحية التطبيق، فالفقه يكاد يجمع على أنه لا ديمقراطية ولا نظام نيابي ولا حرية بدون وجود الأحزاب وتعددها، فوجود الأحزاب يعد ضرورة تقضي بها طبيعة الأنظمة الديمقراطية النيابية[1].

وعلى هذا الأساس اقتضى الأمر وجود مؤسسات يتم من خلالها اتخاذ القرارات والمواقف من أجل تدبير الشأن العام وتسييره من خلال ضوابط محددة ومتفق عليها بين الحكام والمحكومين تتمثل في وجود دستور ينظم العلاقات بينهما ويضبط مجرى الكفاح السياسي الذي يجري على مستويين، من جهة بين أفراد وفئات وطبقات للحصول على السلطة أو للمشاركة فيها أو للتأثير عليها، ويجري من جهة أخرى بين السلطة التي تحكم والمواطنين الذين يقاومونها. فالسلطة تهيئ للذين يملكونها منافع وامتيازات، لذلك تدور حولها معارك بين أفراد أو جماعات يصارعون من أجل مقعد في المجلس النيابي أو منصب وزير[2] الخ...

إن أي فعل سياسي أو قانوني في ظل أنظمة ديمقراطية توكل فيها الأمة أمرها لممثلين يعبرون عن سيادتها وإرادتها، لا يمكن أن يكون سلوكا عرضيا أو يكون ناتجا عن الصدفة حتى ينفلت من عين التأويل والتحليل والتمحيص والنقد.

إذا كان النص الدستوري هو الذي يحدد طبيعة العلاقة بين السلطات والمؤسسات واختصاصاتها[3] وكيفية تشكيلها وانتهائها، فإن أي فعل أو سلوك يتعلق بهما لا يجب أن يخرج عن القواعد الدستورية التي تحكمها وتضبطها.

بالرجوع إلى دستور المملكة لسنة 2011 نجده قد حدد كل هذه الضوابط وقنن كل هذه السلوكيات المحتملة، فبعد ما يتم اختيار النواب عن طريق الانتخابات،[4] يتم على هذا الأساس تحديد الحزب الفائز الذي تصدر أغلبية المقاعد النيابية ليقود الحكومة،[5] ولكي يقودها فإن قواعد الممارسة السياسية ومبدأ الاستقرار والتوازن بين المؤسسة البرلمانية والحكومة تفرض على الحزب الفائز في الانتخابات أن يبحث عن تحالفات قبلية ليشكل أغلبية برلمانية في حالة ما إذا لم يتصدر الأغلبية المطلقة للأصوات المعبر عنها، ليتمخض عن هذه التحالفات حكومة ائتلافية وذلك بالتوافق فيما بينهما على برنامج سياسي يتم تنفيذه طيلة مدة الولاية في الحكومة. لكن في ظل نظام يأخذ بالتعددية الحزبية، تبقى الحكومة الائتلافية دائما مهددة بعدم الاستقرار الوزاري.

ولأجل ذلك تفرض علينا الضرورة المنهجية وإشكالية الموضوع أن نطرح العديد من التساؤلات على الشكل التالي: ما هي الآثار المترتبة في حالة تفكك هذه الأغلبية؟ وما هي الحلول الممكنة؟ خصوصا إذا كانت المعارضة البرلمانية قوية؟ وما هي الإجابات الدستورية التي من خلالها يمكن الإحاطة بالموضوع؟ وهل إعلان حزب في التشكيلة الحكومية الانسحاب يعني الاستقالة منها؟ وهل يحق لحزب في الائتلاف الحكومي أن ينسحب الذي كان قد دعم مسبقا البرنامج الحكومي الذي تم التصويت عليه بالأغلبية المطلقة في المؤسسة البرلمانية؟ ما هو التفسير الدستوري السليم لقرار الانسحاب من الحكومة؟ وبصفة عامة كيف يمكن قراءة موضوع تفكك الائتلاف الحكومي في سياق النص الدستوري؟ وما هي الآثار والنتائج السياسية على علاقة التوازن والاستمرارية بين المؤسسات الدستورية؟ هل يحق للملك أن يتدخل في هذه الحالة بناء على الفصل 42 عن طريق التحكيم؟ وما هي الشروط الدستورية لهذا الأخير؟ ما هي الآثار المستقبلية الممكنة على واقع المؤسسات والحياة الدستورية والسياسية؟

وعطفا على ما سلف أن بيناه، سنحاول أن نعالج الموضوع من خلال تبني المحاور التالية: الأول: جدلية العلاقة بين البرلمان والحكومة. الثاني: النتائج المترتبة عن تفكك الائتلاف الحكومي والتفسير السليم للدستور.

أولا: جدلية العلاقة بين البرلمان والحكومة

إن وجود الحكومة يقتضي وجود البرلمان وأن هذا الأخير لا معنى لوجوده بدون وجود الحكومة، وبالتالي فالمبدأ المتعارف عليه في الأنظمة البرلمانية المعاصرة يكرس انبثاق الحكومة عن البرلمان. هذه العلاقة بين البرلمان والحكومة يتم تحديدها من خلال ما تنص عليه القوانين الأساسية المعمول بها في الدولة سواء في الدستور أو القوانين...، وهكذا تشكل الانتخابات الآلية الرئيسية لهذا النمط من العلاقة (أولا)، وعلى أساس نتائج الانتخابات يحدد الدستور كيفية تشكيل وتعيين الحكومة (ثانيا).

أ‌.        الانتخابات كمحدد لنمط العلاقة بين البرلمان والحكومة

إذا انطلقنا من النص الدستوري سيتضح لنا أنه رغم التحديد الوظيفي للعلاقة بين البرلمان والحكومة، فإنهما (أي البرلمان والحكومة) لا يمكن أن يباشرا في صلاحياتهما إلا بموجب قواعد محدد مسبقا، وهكذا إذا ما رجعنا إلى الفصل الثاني من دستور المملكة لسنة 2011، نجده ينص على ما يلي:" السيادة للأمة تمارسها... بصفة غبر مباشرة بواسطة ممثليها.

تختار الأمة ممثليها في المؤسسات المنتخبة بالاقتراع الحر والنزيه والمنتظم".

فمن خلال هذا الفصل يمكن أن نستخلص نتيجة مؤداها أنه لاستحالة ممارسة الأمة لسيادتها مباشرة تفوض أمرها إلى ممثلين تختارهم عن طريق الاقتراع، وهذه القاعدة هي المعمول بها في مختلف الدول الديمقراطية. ولكي تقوم الأمة باختيارهم كان لابد من وجود أحزاب سياسية كضرورة لابد منها لكل نظام ديمقراطي[6] مادامت الأحزاب ارتبطت بفكرة الاقتراع وأهمية المكانة التي يحتلها البرلمان في حياة الأمة: ذلك أنه كلما شعر أعضاء البرلمان بأهمية دورهم ووظائفهم كلما تلمسوا الحاجة إلى التجمع في "مجموعات" تجمع بين أفراد كل منها " الأفكار المشتركة" بقصد تنسيق الجهود وتوحيد المواقف. ومن جهة أخرى فإن تطور الاقتراع العام يقتضي تشكيل هيئات انتخابية بقصد تعريف الناخبين بمرشحيهم، وتوجيه أكبر قدر من أصواتهم نحو مرشح أو حزب معين.[7]وعلى هذا الأساس نجد الفصل 7 من الدستور ينص على أن: "تعمل الأحزاب السياسية على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي... وتساهم في التعبير عن إرادة الناخبين، والمشاركة في ممارسة السلطة على أساس التعددية والتناوب بالوسائل الديمقراطية  وفي نطاق المؤسسات الدستورية"،[8] فالأحزاب السياسية إذن أصبحت ضرورة أساسية لتسيير شؤون الأمة، في المؤسسات الدستورية، ولكي تقوم بهذه الوظيفة كان بالضرورة عليها أن تخوض غمار التنافسية بين الأحزاب الأخرى من أجل الحصول على الثقة كي تدبر الشأن العام عبر اللجوء لصناديق الاقتراع، وهذه الأخيرة تبقى هي المحدد الرئيسي لمن وقع عليه اختيار الأمة كي يمثلها في المؤسسات الدستورية وهي التي تعطي مشروعية التمثيل الديمقراطي.[9]

في نفس السياق كان بالضرورة أن نعود بعض الشيء إلى الوراء للإشارة إلى النقاشات والدراسات والتحاليل الأكاديمية التي انصبت حول التمثيلية النيابية في التجربة الدستورية المغربية، والتي قسمها احد الباحثين إلى مرحلتين مختلفتين: المرحلة الأولى كانت في إطار دستور 1962، والمرحلة الثانية تبتدئ من دستور 31/07/1970 إلى غاية دستور 1996[10]، حيث اعتبر الباحث أن المرحلة الأولى هي مرحلة التمثيلية النيابية الحقيقية، وذلك بربط الفصلين الثاني والثالث بمضمون الفصل 19 الذي لم يكن ينص على أن الملك هو الممثل الأسمى للأمة، وبالتالي فالتمثيلية كان يملكها البرلمان وخاصة مجلس النواب، الذي يستمد نيابته من الأمة مباشرة عن طريق الانتخابات، وتعتبر في هذه الحالة الأحزاب السياسية هي الواسطة بين الشعب والبرلمان.

أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة ضعف التمثيلية النيابية مع دستور 1970 الذي أقر التمثيلية السامية للمؤسسة الملكية من خلال تعديل الفصل 19، وأصبحت الأحزاب السياسية ليست هي الوحيدة التي تقوم بوظيفة تمثيل المواطنين حسب ما جاء في الفصل الثالث من دستور 1970، ويضيف الباحث بأن الفصل الثالث يظهر احتمال ارتباطه بالمؤسسة الانتخابية من عدمه، وذلك من خلال مقارنته بالفصل الرابع من الدستور الفرنسي لسنة 1958 الذي ينص على أن: "الأحزاب والهيئات السياسية تساهم في التعبير عن الاقتراع وعليها أن تحترم مبادئ السيادة الوطنية والديمقراطية"، حيث اعتبر الباحث أن هذا الفصل يربط الأحزاب السياسية بشكل مباشر بالمؤسسة الانتخابية، بينما نظيره في الدستور المغربي لا يربط وجود الأحزاب السياسية بالعملية الانتخابية[11]، إلا أننا لا نساير هذا الموقف الذي ذهب فيه الأستاذ الباحث نظرا لاستحالة قيام انتخابات تشريعية دون وجود أحزاب سياسية، ولعل الصيغة التي جاء بها الفصل الثالث التي تنص على أن "الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والجماعات المحلية والفرق المهنية تساهم في تنظيم المواطنين وتمثيلهم" هي التي جعلت الباحث يعتقد بإمكانية الاستغناء عن الأحزاب السياسية، وهذا الطرح مستبعد في ظل نظام دستوري يقر بالتعددية الحزبية.

وإذا رجعنا إلى دستور المملكة لسنة 2011، فإنه لا يمكن أن تكون هذه القاعدة ثابتة، بحيث يمكن القول بأن الفصل السابع من الدستور قد أعاد الاعتبار للعلاقة بين الأحزاب السياسية وتمثيلية الأمة باعتبارها المعبرة عن إرادة الناخبين في المؤسسات الدستورية ومن ضمنها البرلمان والحكومة. وإذا حاولنا أن نتجاوز القراءة الأحادية للفصل السابع من دستور 2011، وقمنا بربطه بالفصل 42 من الدستور سوف نستخلص النتائج التالية:

1-             أن الملك لم يعد هو الممثل الأسمى للأمة، وهذا يعني أن التمثيلية حق خالص للنواب الذين اختارتهم الأمة عن طريق الاقتراع.

2-             أن الملك أصبح في ظل دستور 2011 فقط رمز لوحدة الأمة وليس ممثلها الأسمى، وهذه العبارة صلاحية مطلقة للتدخل في العملية الانتخابية إذا كانت من شأنها أن تشق وتقسم هذه الوحدة، وذلك صيانة للاختيار الديمقراطي.

3-             لم يعد للملك بناء على هذا الترابط كمعبر أسمى عن هذه الإرادة بل القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة[12] الذي يصوت عليه ممثلين اختارتهم الأمة عن طريق الانتخاب.

4-             أن الأحزاب السياسية لها ارتباط بشكل مباشر بالمؤسسة الانتخابية، فيما يخص تمثيلية الأمة في المؤسسات الدستورية.

وعلى هذا الأساس يتضح لنا، بأن سيادة الأمة لا يمكن التعبير عنها إلا بواسطة الانتخابات التي تفرز لنا ممثلين من الأحزاب السياسية التي دخلت غمار الانتخابات، فالتمثيلية يتقاسمها البرلمان مع الحكومة نظرا لأن هذه الأخيرة تنبثق عن الأول(البرلمان)، وبالتالي يتم تشكيل حكومة حزبية منبثقة عن البرلمان وتتحمل المسؤولية أمامه فقط، ونظرا لنمط الاقتراع المعتمد فإن قواعد الممارسة السياسية تفرض أن يكون هناك انسجام بين الأغلبية البرلمانية والحكومة المنبثقة عنها، لكي تستمر المؤسسات الدستورية. كما أنه بحكم الخريطة الحزبية التي أضحى عليها المشهد الحزبي الآن، أصبح من العسير على أي حزب إحراز الأغلبية المطلقة للأصوات وبالتالي يستدعي ذلك ضبط الأغلبية الحكومية،[13] عن طريق عقد ائتلاف مع أحزاب أخرى وضرورة الرضوخ لمنطق الائتلافات،[14] التي لا تكون دائما منسجمة، مما سيطرح إشكال الاستمرارية والشرعية الملكية كما ذهب الأستاذ محمد معتصم،[15] لكن هذه الأطروحة ربما كانت صحيحة في ظل الدساتير السابقة، لكن مع دستور 2011، لا يمكن اعتبار عدم الانسجام داخل الأغلبية الحكومية يبرر شرعية الملكية ويجعلها في مرتبة أعلى من الشرعية الانتخابية الديمقراطية، ما دامت توجد آليات دستورية أو سياسية للخروج من الأزمة، والتي سنتناولها فيما بعد من هذا الموضوع.

وبناء على ما سبق يمكن القول بأن الانتخابات تلعب دورا مهما في تحديد نمط العلاقة بين البرلمان والحكومة والتي يكون فيها للعامل السياسي دورا رئيسيا في إقرار التوازن بينهما.

ب‌.     نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة

بعدما تتضح نتائج الانتخابات وتوزيع المقاعد النيابية على أساسها، فإن الحزب الفائز بأغلبية المقاعد في مجلس النواب هو الذي يحق له أن يقود الحكومة حسب نص الدستور. فبعد إجراء الانتخابات البرلمانية وفق ما تنص عليه القوانين الانتخابية، فإن الفائز فيها بالأغلبية البرلمانية هو الذي يشكل الحكومة، بحيث أن الحزب السياسي أو الأحزاب السياسية الفائزة بالأغلبية البرلمانية هي التي من المحتمل جدا أن يختار منها رئيس الدولة أو الملك رئيس الحكومة أو الوزير الأول الذي يقترح باقي أعضاء الحكومة المنسجمة سياسيا أو القريبة من لونه السياسي.[16]

وإذا ما انطلقنا من منطوق الفصل 47 من دستور 2011 نجده ينص على ما يلي: "يعين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها. ويعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها".

إن قراءة هذا الفصل يؤدي بنا إلى القول بأنه يشكل تغييرا جذريا إذا ما قارناه مع الدساتير السابقة، فيما يخص تقييد سلطة الملك في تعيين رئيس الحكومة، بحيث لم يعد للملك الحق في اختيار رئيس الحكومة من داخل الشخصيات التكنوقراطية التي ليس لها أي انتماء سياسي،[17] فبموجب هذا الفصل أصبح الملك ملزما باختيار رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها أي على أساس الميولات السياسية للهيئة الناخبة. وهذا خلافا للتجارب الدستورية السابقة، حيث أن أغلب الأشخاص الذين تقلدوا منصب الوزير الأول في المغرب كانوا محايدين مما شكل قاعدة عرفية استقر عليها النظام الدستوري المغربي منذ تأليف حكومة محمد بنهيمة في 11 نونبر 1967.[18]

وفي هذا الصدد يقول الأستاذ محمد قلوش أنه: "بالرجوع إلى الأحكام الدستورية في المغرب نجد أن الملك قبل دستور 1992 كان يعين الوزير الأول والوزراء دون أن يكون مقيدا في هذا الخصوص باستشارة جهة من الجهات، أو أن يكون الاقتراح باختيار أعضاء الحكومة صادرا من هيئة من الهيئات، وكذلك لم يشترط في هذا المضمار أن يكون الوزير الأول بصفة خاصة منتمي إلى الأغلبية البرلمانية، بل ولم يشترط فيه أن يكون عضوا في المجلس النيابي".[19] فتعيين الوزير الأول في المغرب كان مجالا خاصا بالملكية، وقد أكد الحسن الثاني هذا الطرح في الكثير من المناسبات،[20] وحتى في ظل دستور 1992 و1996 فإن التغيير الذي طرأ على الفصل 24 قد طرح العديد من الإشكالات، بخصوص تعيين الوزير الأول من الحزب السياسي، إلا أن منطق وروح الاستقرار بين الحكومة والبرلمان يفرض كي تستمر الحكومة في مزاولة مهامها أن تحصل على ثقة مجلس النواب عبر التصويت على البرنامج الحكومي، وبدون الحصول على التنصيب البرلماني الذي تقرر لأول مرة في ظل دستور 1992 تكون الحكومة فاقدة لأساس وجودها ويستحيل عليها الشروع في مباشرة مهامها،[21] إلا أنه حتى مع دخول دستور 1992 حيز التنفيذ لم يلتزم الملك بتعيين الوزير الأول من الحزب السياسي ولم يخضع التعيين لأي مقياس دستوري،[22] إلا ابتداء مع حكومة التناوب التوافقي التي عين فيها الملك الوزير الأول من حزب الإتحاد الاشتراكي. وهذا ما حدث في الحكومة التي أفرزتها الانتخابات التشريعية لسنة 2007، والتي حصل فيها حزب الاستقلال على 52 مقعدا،[23] ليتم على إثرها تعيين السيد عباس الفاسي وزيرا أولا.

وإذا كانت الأحكام الدستورية في الدساتير السابقة لا تلزم الملك بتعيين الوزير الأول بناء على نتائج الاقتراع، فإنه مع دخول دستور المملكة لسنة 2011 حيز النفاذ قد عدل عن الصيغة السابقة وأصبح الملك مقيدا في تعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر لأغلبية المقاعد في مجلس النواب، وبناء على ما أفرزته نتائج الانتخابات، وهكذا شكلت انتخابات 25 نونبر أول محطة فعلية لتطبيق الوثيقة الدستورية، حيث كان الهدف تنصيب المؤسسات الدستورية طبقا لمقتضيات الدستور الجديد وعلى رأس هذه المؤسسات بطبيعة الحال البرلمان والحكومة، وفي إطار التفعيل الإيجابي لمقتضيات الدستور،[24]قام الملك بتعيين رئيس الحكومة طبقا لمقتضيات الفصل 47 من الدستور في فقرته الأولى، حيث وقع الاختيار على السيد عبد الإله ابن كيران أمين عام حزب العدالة والتنمية الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب بحصوله على 107 مقعدا من مجموع مقاعد مجلس النواب[25]، وبعد تعيين رئيس الحكومة قام هذا الأخير باقتراح أعضاء الحكومة طبقا للفقرة الثانية من الفصل47 من الدستور، فهذه الفقرة يمكن أن تطرح العديد من التساؤلات نظرا لورودها بصيغة مختصرة وغير مفصلة، فهل هذا يعني أن سلطة الاقتراح المتوفرة لدى رئيس الحكومة لاستكمال مسلسل تشكيل أعضاء الحكومة مطلقة أم تخضع لعوامل سياسية؟ وهل يمكن له أن يختار فقط من ينتمون إلى حزبه بالضرورة الذي حصل على الأغلبية النسبية للمقاعد النيابية، أم يلجأ إلى حلول أخرى؟ وهل يلزم أن يكون كل أعضاء الحكومة يحملون لونا سياسيا معينا؟ خصوصا إذا حاولنا أن نربط قراءة الفصل 47 من الدستور في فقرتيه الأولى والثانية بالفصل 88 من الدستور؟ وبصفة عامة ما هي العوامل المتحكمة والموجهة لاختيار باقي أعضاء الحكومة؟

وللتذكير فإن الملك قبل دستور 1992 كان يتمتع بصلاحيات مطلقة في مجال اختيار أعضاء الحكومة، فكان الفصل 24 من دستور 1972 ينص على أن الملك يعين الوزير الأول والوزراء، فلأول مرة ظهرت كلمة "اقتراح الوزير الأول" في دستور 1992، لذا يتعين حصول الاتفاق بين الملك والوزير الأول في مجال تعيين الوزراء،[26] فسلطة الاقتراح لها بعد كبير فالذي يقرر في النهاية لا يمكن له إلا القبول أو الرفض لكن لا يمكن له اتخاذ المبادرة وهذا بطبيعة الحال تقوية لمركز رئيس الحكومة ومكانته داخل الحكومة،[27]وهكذا نجد أن الفقرة الثانية أعطت صلاحية وسلطة الاقتراح لرئيس الحكومة[28]، بحيث أن سلطة تعيين باقي أعضاء الحكومة للملك مقيدة، ولا يملك في هذا الشأن إلا القبول أو الرفض للائحة المقترحين، إلا أن فهم مسلسل الاختيار في النظام الدستوري المغربي يجب أن تؤخذ فيه مجموعة من الاعتبارات السياسية:[29]

ü           الأول: في حالة ما إذا حصل الحزب على الأغلبية المطلقة للمقاعد النيابية لن تطرح أمامه إشكالية تنصيبه، بحيث سيشرع في اقتراح أعضاء الحكومة من نفس لونه السياسي، ويضمن أغلبية برلمانية تؤيده في برنامجه وهذه النتيجة يصعب تحقيقها نظرا لنظام التعددية الحزبية التي يأخذ بها النظام الدستوري المغربي ونظرا لنمط الاقتراع والتقطيع الانتخابي المعتمدان، حيث استحالة وجود حزب أغلبية.

ü           الثاني: نظرا لصعوبة الحصول على الأغلبية المطلقة للمقاعد، فإن رئيس الحكومة يتم تعيينه بناء على الأغلبية النسبية أي بناء على نتائج الانتخابات التي حصلت عليها الأحزاب السياسية، وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من الفصل 47 من الدستور.

لكن إذا كان هذا الأمر ينطبق على رئيس الحكومة، فإنه لا يمكن تطبيقه في الفقرة الثالثة من ذات الفصل، أي تعيين باقي أعضاء الحكومة من الحزب الذي حصل على الأغلبية النسبية لأنه سيصطدم مع ما جاء به الفصل 88 من الدستور.

ولصعوبة استمرار حكومة الأقلية، لأنه من المفترض أن يحصل رئيس الحكومة على تأييد للبرنامج الحكومي المعبر عنه بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتشكل منهم مجلس النواب، فالمنطق الدستوري يفترض انبثاق الحكومة من الأغلبية البرلمانية، لتسهيل الميلاد الطبيعي للحكومة الحزبية وتفادي الأزمات المؤسساتية،[30] لذلك فإن الحكومة المنبثقة عن البرلمان وبالأخص الأغلبية البرلمانية، تتوفر على الإمكانيات والقدرات لمزاولة عملها في مجال تحديد السياسات العامة والإشراف عليها انطلاقا من برنامجها المصادق عليه من طرف مجلس النواب كما يمكن لها أن تتجنب الخلافات والمشاكل المحتمل اعتراضها مع نواب الأمة،[31] وعلى هذا الأساس فإن رئيس الحكومة أو الحزب الحائز على أغلبية نسبية يجب أن يأخذ الفصل 88 [32]بعين الاعتبار، وبالتالي سيلجأ إلى عقد تحالفات مع أحزاب أخرى إما قبل أو بعد إجراء الانتخابات، ليضمن أغلبية برلمانية ويضمن التصويت الإيجابي على البرنامج السياسي، الذي من المفترض أن يتم التوافق على صيغته مع الأحزاب التي ستشكل الائتلاف الحكومي. ولأجل ذلك ففي هذه الحالة يجب على رئيس الحكومة أثناء اقتراحه لأعضاء الحكومة أن يأخذ بعين الاعتبار مسألة التحالفات الحزبية وذلك لضمان التصويت لصالح البرنامج الحكومي لأنه لا يمكن أن نتصور أغلبية برلمانية تصوت ضد البرنامج الذي تقدم به رئيس الحكومة، والذي تم التوافق بشأن صيغته، لأن تأليف الحكومة يجب ألا يصطدم مع أغلبية برلمانية مضادة لها تستطيع إسقاطها عن طريق التصويت على البرنامج الحكومي بالرفض.

ü           الثالث: وهو المتعلق بحالة رفض الأحزاب السياسية التحالف مع الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات، فما هي الآليات الدستورية الممكن تطبيقها في هذه الحالة؟

إن الدستور المغربي لم يعطي حلولا ولم يتوقع مثل هذه الحالة وترك الأمر للممارسة السياسية، فالفصل 47 لم يعطي مخرجا ولم يوضح بشكل مفصل الاحتمالات والصعوبات التي يمكن أن تواجه تشكيل الحكومة، لكن في هذه الحالة يمكن أن نفترض بعض الحلول:

-              الحل الأول: وهو مباشرة الملك في تعيين باقي أعضاء الحكومة من الحزب المتصدر لنتائج الانتخاب، أو الائتلاف الحزبي النسبي، وفي هذه الحالة سيصطدم الفصل 47 مع الفصل 88 من الدستور الذي يقتضي التصويت لصالح البرنامج الحكومي حتى تستطيع الحكومة الحصول على ثقة مجلس النواب، ولتفادي عدم استمرارية المؤسسات الدستورية.

-              الحل الثاني: وهو الوصول إلى عقد تنازلات مع أحزاب المعارضة حول البرنامج الحكومي، وهو أمر مستبعد، ولا يمكن الوصول إليه في ظل نظام يأخذ بالتعددية الحزبية، وفي ظل المشهد الحزبي المبلقن في المغرب.

-              الحل الثالث: اللجوء إلى تطبيق النصوص الدستورية، أي لجوء الملك إلى تطبيق الفصل 96 من الدستور الذي ينص على ما يلي: "للملك بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية، وإخبار رئيس الحكومة، ورئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين، أن يحل بظهير المجلسين معا أو أحدهما". وهذه هي الآلية الدستورية الوحيدة التي يمكن من خلالها أن يلجأ الملك إلى استعمال سلاح الحل، وهذا السلوك يبرره عدم توفر أغلبية برلمانية مطلقة لدى الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات، وهو ما يفسره الفصل 98 في المقطع الأخير منه الذي جاء فيه:"...ما عدا في حالة تعذر توفر أغلبية حكومية داخل مجلس النواب ...".

فجوهر النظام البرلماني يقتضي تفادي الأزمات المؤسساتية، وبالتالي فاختيار وتشكيل الحكومة له علاقة جدلية مع نتائج الانتخابات، حيث أن تشكيل الحكومة تتحكم فيه العوامل السياسية بالدرجة الأولى، وبالتالي وجب أن تراعى في ذلك التحالفات وضمان أغلبية برلمانية مريحة تضمن التصويت الإيجابي على البرنامج الحكومي والمشاريع الحكومية.

ثانيا: النتائج المترتبة عن تفكك الأغلبية والتفسير الدستوري السليم

إن منطق ترابط أغلبية البرلمان بالأغلبية الحكومية،[33] لا يمكن أن يكون قانونا ثابتا، بل يتغير بتغير المناخ السياسي، وطبيعة الأزمات السياسية التي تحكم منطق التحالفات الحزبية، وبالتالي تبقى دائما هذه العلاقة الترابطية مهددة بالتفكك والانهيار، مما سينتج عنها نتائج على مستوى العلاقات بين المؤسستين وعلى مستوى الاستمرارية، وعلى هذا الأساس يفرض علينا في هذا السياق البحث على الاحتمالات والتوقعات التي حاول النص الدستوري أن يحيط بها في هذا المجال ( المطلب الأول)، وكذلك التأويل الدستوري السليم للنتائج التي يمكن أن تؤول إليها تلك العلاقة (المطلب الثاني).

أ‌.         تعرض الائتلاف الحكومي للفسخ والانحلال

كما هو معلوم فإن ما يميز واقع الحياة السياسية والدستورية في ظل النظام الحزبي التعددي هو إمكانية تعرضها لعدم الاستقرار الحكومي.[34] وإذا حاولنا أن ننطلق من النص الدستوري لنرى مدى إمكانية توقعه لهذا الاحتمال أو إحاطته لهذا المجال، فإننا ما فتئنا نرجع لمضمون الفصل 47 من الدستور في فقراته الثالثة والرابعة والخامسة اللائي جاء فيهم ما يلي:" ... للملك بمبادرة منه، بعد استشارة رئيس الحكومة، أن يعفي عضوا أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم.

ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة.

ولرئيس الحكومة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر، من أعضاء الحكومة، بناء على استقالتهم، الفردية أو الجماعية".  فمن خلال هذا الفصل يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

1-             حق الملك في إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة حقا مقيدا وليس مطلقا، وهذا على خلاف التجارب الدستورية السابقة[35] التي كان يتمتع فيها الملك بسلطة مطلقة في إعفاء الحكومة،[36] أما في ظل دستور المملكة لسنة 2011 فإن حق الملك في إعفاء الوزراء من مهامهم مقيد بالاستشارة القبلية لرئيس الحكومة، والهدف الدستوري من الاستشارة يكمن في الحفاظ على الاستقرار الحكومي ومراعاة الأغلبية التي تنبثق منها الحكومة، خصوصا إذا كانت الحكومة ائتلافية، وهذه العبارة كذلك يمكن أن تطرح بعض التساؤلات والإشكالات على الشكل التالي: هل هذه الاستشارة ملزمة أم مجرد استشارة اختيارية؟ وما هي النتائج والآثار المحتملة في حالة ما إذا مس الإعفاء الملكي للوزراء طبيعة الائتلاف للحكومة؟ وهل الملك ملزم بأخذ رأي رئيس الحكومة أم غير ملزم بذلك؟

فبالنسبة للسؤال الأول، فإن وضوح النص الدستوري لا يحتاج إلى بيان، لأن الملك لا يمكن له في هذه الحالة أن يقدم على إعفاء الوزراء دون استشارة رئيس الحكومة، لأن هذا الأخير هو الذي يمتلك سلطة اقتراح الوزراء، وبالتالي كان واجبا دستوريا على الملك أن يستشير رئيس الحكومة باعتباره المسؤول عن التشكيلة الحكومية، وله يرجع الأمر في اقتراح من يعين الملك ليحل محل الوزير أو الوزراء الذين تم إعفائهم، وفي هذه الحالة يجب أن تراعى في هذه المسألة طبيعة التحالفات وطبيعة العلاقة التي تربط الحكومة بأغلبيتها البرلمانية، حتى لا يؤدي الإعفاء الملكي للوزراء إلى عدم الاستقرار الحكومي، وهذا بالطبع ما قصدناه من السؤال الثاني، بحيث أن الإعفاء الملكي يجب أن يأخذ بالحسبان الأغلبية الحكومية وبالتالي كان بالضرورة أن يأخذ برأي رئيس الحكومة نظرا لانبثاق هذا الأخير من الأغلبية ومن صناديق الاقتراع، وبالتالي فرأي رئيس الحكومة في هذا السياق هو رأي مطابق ويجب على الملك أن يأخذ به وليس لمجرد رأي استشاري لا يلزم الملك به، مادامت قواعد الممارسة السياسية وقاعدة استمرار المؤسسات الدستورية هي التي تفرض ذلك، اللهم في حالة ما إذا أنتجت لنا الممارسة الدستورية أعرافا مخالفة للمنهجية الديمقراطية لتطبيق الدستور، كأن تضم التشكيلة الحكومية أعضاء غير منبثقين من صناديق الاقتراع ولا يحملون لونا سياسيا معينا، ففي هذه الحالة لا يعدو أن يكون هذا الرأي مجرد رأي استشاري لأنه لا يمكن أن يؤثر على الائتلاف الحكومي.

2-             النتيجة الثانية التي يمكن أن نستخلصها من الفصل 47 من الدستور، تتعلق بالدور الذي أصبح يحتله رئيس الحكومة في الهندسة الدستورية، حيث أصبح له الحق في المبادرة بإعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، وهذا على خلاف جل التجارب الدستورية المغربية السابقة[37] التي كان فيها موقع الوزير الأول موقعا تابعا، حيث أن مؤسسة الوزير الأول لم تكن تشكل قوة داخل السلطة التنفيذية إذ لم يكن من المكن الحديث عن ثنائية السلطة التنفيذية كما هو الحال في فرنسا، وهو ما يرجعه الباحثين إلى سمو المؤسسة الملكية في الدستور المغربي،[38] إلا أن حضور سلطة الملك ملازم دائما لأي قرار يمكن أن يتخذه رئيس الحكومة في حالة ما إذا رغب في وضع حد لمهام الوزراء حيث يتوجب عليه أن يقدم طلب إلى الملك يلتمس فيه باعتباره جزءا مكونا من السلطة التنفيذية أن يعفي عضوا أو أكثر من الحكومة من مهامهم. وهذا التقييد يجد تبريره فيما نصت عليه الفقرة الرابعة من الفصل 42 التي تنص على ما يلي:" ...توقع الظهائر بالعطف من قبل رئيس الحكومة، ما عدا تلك المنصوص عليها في الفصول ...47 (الفقرتان الأولى والسادسة)..."، لأن تعيين الملك لأعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها يتم بموجب ظهير يوقع بالعطف من طرف رئيس الحكومة، حتى يتحمل فيه المسؤولية،[39] ومادام الأمر كذلك فلا يجب أن يتجاوز رئيس الحكومة المكانة التي يمتلكها الملك، والظهير الذي اتخذه في تعيين الوزراء نظرا لحمولته الدستورية،[40] وبالتالي حتى يتم إعفاء الوزراء بمبادرة من رئيس الحكومة كان بالضرورة الرجوع للقرار الملكي في هذا الشأن أخذا بعين الاعتبار المكانة التي يحتلها الظهير. والتساؤل المطروح هنا، هو ما هي الصيغة القانونية التي يتم بها إعفاء الوزراء بمبادرة من رئيس الحكومة؟ هل يتم ذلك بموجب مرسوم. أم بموجب ظهير؟ فإذا انطلقنا من الفقرة الرابعة من الفصل 47 نجدها لا تعطي الحق لرئيس الحكومة إلا في المبادرة، أي له حق تسمية الوزراء الذين يرغب في أن يضع الملك حدا لمهامهم، وهذا التصرف أي الإعفاء، لا يتم إلا بموجب ظهير[41] يتخذه الملك ويوقعه بالعطف رئيس الحكومة حتى يتحمل فيه المسؤولية، ونظرا كذلك لأن رئيس الحكومة هو الذي لديه الحق الدستوري في اقتراح من يحل محله.

ويتضح لنا من النتيجة الأولى والثانية، أن النص الدستوري لا يوضح الأسباب التي قد تدعوا لوضع حد لمهام عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، سواء بمبادرة ملكية أو بمبادرة من رئيس الحكومة. وقد أشارت في هذا السياق الأستاذة أمينة المسعودي على أنه من خلال رصد الممارسة السياسية والدستورية بالمغرب فقد اتضح وجود أسباب سياسية مختلفة لوضع حد لمهام الوزراء بصفة جماعية،[42] وتضيف الباحثة أنه قد تم رصد ثلاثة أسباب سياسية لإقالة الحكومات، فقد أقيلت حكومات نتيجة لطلبها الاستقالة كما أقبلت حكومات أخرى نتيجة إقالة رئيسها أو وزيرها الأول وأقيلت حكومات أخرى نتيجة ابتداء تجربة برلمانية، لكننا إذا تمعنا النظر فيما قامت الأستاذة بتحديده، فسنجد أنها لا تتحدث عن الأسباب السياسية بقدر ما تتحدث هنا عن الإطار الدستوري المنظم للاستقالة[43] أو بمعنى آخر التحديد الدستوري لحق الاستقالة والإقالة.

ومن جهتنا إذا ما حاولنا أن نبحث في الأسباب السياسية التي قد تؤدي إلى إقالة الحكومة بمبادرة من الملك أو رئيس الحكومة، فلا بد من أن نقوم بتحليل بعض النصوص الدستورية التي يمكن أن ترشدنا لفهم الأسباب التي قد تؤدي إلى إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة وذلك على الشكل التالي:

-              ينص الفصل 42 من الدستور على ما يلي: "الملك رئيس الدولة، وممثلها الأسمى".

-              الفصل 48 من الدستور ينص:" يرأس الملك المجلس الوزاري، الذي يتألف من رئيس الحكومة والوزراء".

-              الفصل 49 من الدستور ينص:" يتداول المجلس الوزاري في القضايا والنصوص التالية:

-                التوجهات الإستراتيجية لسياسة الدولة".

-              الفصل 89 من الدستور ينص:" ... تعمل الحكومة تحت سلطة رئيسها، على تنفيذ البرنامج الحكومي وعلى ضمان تنفيذ القوانين".

-              الفصل 92 من الدستور ينص:" يتداول مجلس الحكومة، تحت رئاسة رئيس الحكومة، في القضايا والنصوص التالية:

-                السياسة العامة للدولة قبل عرضها على المجلس الوزاري".

-              الفصل 93 من الدستور ينص:" الوزراء مسؤولون عن تنفيذ السياسة الحكومية، كل في القطاع المكلف به، في إطار التضامن الحكومي.

يقوم الوزراء بأداء المهام المسندة إليهم من قبل رئيس الحكومة، ويطلعون مجلس الحكومة على ذلك".

فمن خلال ربط هذه الفصول فيما بينها يمكن أن نستنبط الأسباب السياسية التي يمكن لها أن تؤدي بالملك أو رئيس الحكومة إلى وضع حد لمهام الوزراء، حيث يتضح لنا من خلال هذا الربط مستويين من المسؤولية:

ü           المستوى الأول: مسؤولية أعضاء الحكومة أمام الملك، باعتباره أحد رؤوس السلطة التنفيذية، وكرئيس للدولة وممثلها الأسمى، عن تنفيذ سياسة الدولة التي يصادق عليها الملك في المجلس الوزاري ويحدد توجهاتها الإستراتيجية، وبالتالي ففي حالة عدم قدرة أو كفاءة أو عدم التزام الوزراء بهذه التوجيهات يشكل سببا رئيسا ليقوم الملك بتوظيف حق الإعفاء ويضع حدا لمهام الوزير أو الوزراء الذين لم يتحملوا المسؤولية.

ü           على المستوى الثاني: وهي مسؤولية أعضاء الحكومة أمام رئيس الحكومة، عن السياسة العامة للدولة التي يحدد توجهاتها الإستراتيجية في مجلس الوزراء، ومسؤوليتهم عن تنفيذ البرنامج الحكومي، وكذلك مسؤوليتهم عن تنفيذ السياسة الحكومية القطاعية.

فمن خلال هذه النتائج، تتضح لنا الأسباب المباشرة التي يمكن أن تؤدي بالملك إلى إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة، كما يمكن كذلك لرئيس الحكومة باعتباره مسؤولا عن ضمان تنفيذ سياسة الدولة أن يطلب من الملك إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة.

3-             النتيجة الثالثة التي يمكن أن نستخلصها من الفصل 47 في فقرته الخامسة، وهي المتعلقة، بطلب رئيس الحكومة من الملك إعفاء عضو أو أكثر بناء على استقالتهم بصفتهم الفردية أو الجماعية، وفي هذه الحالة يعتبر رئيس الحكومة واسطة بين أعضاء الحكومة باعتبارهم جزءا من التشكيلة الحكومية، والملك، وحيث أنه لا يمكن لأعضاء الحكومة أن يطلبوا بصفة مباشرة من الملك إعفائهم لأنهم يتحملون مسؤوليتهم أمام رئيس الحكومة، ويعملون تحت سلطته، وهذا خلافا لكل التجارب الدستورية المغربية التي لم يكن فيها الوزير الأول واسطة بين أعضاء الحكومة والملك، حيث كان للملك سلطة مباشرة في إعفائهم، كما كان لأعضاء الحكومة الحق في أن يطلبوا الاستقالة مباشرة من الملك، لكن مع دخول دستور 2011 يمكن القول بأنه شكل خطوة جد متقدمة بالمقارنة مع ما كان معمولا به في ظل الدساتير السابقة، حيث أنه أصبح الآن من الممكن الحديث عن ثنائية السلطة التنفيذية، كما هو معمولا به في الأنظمة البرلمانية المقارنة،[44] كما يمكن القول أن الحكومة أصبحت تشكل مؤسسة منافسة للمؤسسة الملكية، وأصبح من الممكن القول "بمؤسسة رئيس الحكومة"، وليس كما كان عليه الأمر سابقا حيث أن الحكومة كانت "حكومة جلالة الملك"، وليست حكومة الوزير الأول.[45]

وترتيبا على كل ما سبق أن استنتجناه يتضح لنا بأن النص الدستوري لم يتحدث بشكل مباشر عن تعرض الائتلاف الحكومي للتفكك، إلا أنه من خلال هذه التفسيرات التي أوضحناها، يمكن أن تكون سببا في تعريض التحالف الحكومي للفسخ والانحلال، مما يعني: تحريك وانتعاش الآليات الدستورية، وآليات المسؤولية السياسية وبالتالي سيادة ظاهرة عدم الاستقرار الحكومي كلما حصل انشقاق وخلافا داخل صفوف الأغلبية الحكومية.[46] وبالتالي يستدعي الأمر توظيف الآليات الدستورية الممكنة.

ب‌.     تحريك الآليات الدستورية

إذا كنا قد أشرنا إلى الآليات الدستورية التي يمكن أن تؤدي إلى تفكك الأغلبية الحكومية، سواء كان ذلك عن طريق الإعفاء الملكي أو عن طريق تقديم الاستقالة، أو رغبة حزب في التحالف الحكومي الانسحاب من الأغلبية، فإن انحلال وتفسخ الائتلاف الحكومي[47]، يؤدي بالضرورة إلى تفعيل الآليات الدستورية الممكنة.

1.        على مستوى الحكومة والبرلمان

إن رغبة حزب في التحالف الحكومي الانسحاب منه، يؤدي بنا أولا، إلى تحديد معنى الانسحاب في هذا السياق؟ وما هو الحل؟ فالمقصود هنا بالانسحاب هو تقديم الاستقالة، أي استقالة وزراء الحزب من التشكيلة الحكومية، لأن الانسحاب بدون تقديم الاستقالة، أمر لا يمكن أن يقبله منطق تحمل المسؤولية ومنطق التمثيلية. والانسحاب يكون دائما نتيجة التحالفات الهشة غير المبنية على توافقات واسعة حول المطالب التي يمكن أن يطرحها كل حزب، وكذلك يدل على غياب توافق حول البرنامج الحكومي الذي على أساسه نالت الحكومة الائتلافية ثقة الأغلبية البرلمانية. أما إذا قرر طرف في الحكومة الانسحاب فما عليه إلا أن يلتجئ إلا تطبيق مقتضيات الدستور، طالما أن هذا الأخير يحظى في الدول والمجتمعات المتحضرة بقداسة مطلقة باعتباره القانون الأسمى الذي ينظم العلاقة بين الحكام والمحكومين، فهو مصدر شرعية ومشروعية كل الإنتاجات القانونية وكل القرارات الصادرة عن الهيئات السياسية الفاعلة باسم الدولة[48]، وهو ما يعني في هذا السياق اللجوء إلى تفعيل مقتضى الفصل 47 من الدستور. وفي هذا السياق يفرض على رئيس الحكومة على أن يقوم باقتراح الأعضاء الذين سيحلون محل الأعضاء الذين تم إعفائهم من مهامهم. كما أنه لا يمكن للوزراء الذين استقالوا أن ينسحبوا مباشرة بعد إعفائهم، نظرا لأن مبدأ الاستمرارية يفرض عليهم أن يقوموا بتصريف الأمور إلى غاية تعيين الأعضاء الآخرين مكانهم، رغم أن الدستور المغربي لا ينص على هذه الإمكانية، بشكل صريح إلا أنه يمكن استنباطها عن طريق القياس من خلال ما ينص عليه الفصل 87 من الدستور في فقرته الثالثة التي جاء فيها ما يلي:" ويحدد القانون التنظيمي... القواعد الخاصة بتصريف الحكومة المنتهية مهامها للأمور  الجارية"، وهو ما يعني قيام أعضاء الحكومة الذين وضع حد لمهامهم بتصريف الأمور إلى غاية تعيين من يحل محلهم، أما إذا رجعنا إلى التجربة المقارنة فسنجد أن الدستور الاسباني قد كان صريحا في هذا المجال حيث نص في المادة 101 الفقرة الثانية على ما يلي: "تستمر الحكومة المستقلة في ممارسة وظائفها إلى أن تتسلمها حكومة جديدة".

وبناء على ما قلناه أعلاه، فإن قواعد الممارسة السياسية تستدعي من رئيس الحكومة إذا باعتباره مسؤولا عن تشكيل الحكومة، أن يبحث عن تحالفات جديدة، يضمن بها أغلبية تسانده في البرلمان حتى يكون هناك انسجام فيما بينها، أما إذا لم يتم هذا التحالف، فإنه سيضطر إلى تشكيل حكومة أقلية[49]، وهو ما سينتج المعادلة التالية: معارضة قوية غير مساندة/ أغلبية حكومية ضعيفة مدعمة، النتيجة إذن هي عرقلة عمل الحكومة/انتعاش آليات المسؤولية السياسية/ عدم التوازن بين البرلمان والحكومة/ عدم استمرارية المؤسستين.

إذا في هذا السياق سيكون هناك إحدى الآليات التالية: فإما أن يلجأ رئيس الحكومة إلى الفصل 104 من الدستور الذي ينص على أنه: "يمكن لرئيس الحكومة حل مجلي النواب، بعد استشارة الملك ورئيس المجلس...بمرسوم يتخذ في مجلس وزاري. يقدم رئيس الحكومة أمام مجلس النواب تصريحا يتضمن بصفة خاصة دوافع قرار الحل وأهدافه".  وإما أن يلجأ رئيس الحكومة إلى طرح مسألة الثقة لدى مجلس النواب بناءً على الفصل 103 من الدستور، وفي هذه الحالة يستدعي الأمر تصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتكون منهم المجلس لسحب الثقة منها واستقالة الحكومة. والحالة الأخيرة، أن يلجأ البرلمان إلى معارضة الحكومة تحمل مسؤوليتها عن طريق ملتمس الرقابة المنصوص عليه في الفصل 105 من الدستور، الذي يستدعي موافقة الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب حتى يؤدي إلى استقالة الحكومة استقالة جماعية.

ففي الحالة الأولى يتوقف الأمر على القرار الملكي وعلى ما سيفرزه المجلس الوزاري المنعقد برئاسة الملك، أما في الحالة الثانية والثالثة فالأمر يتوقف على توفر النصاب القانوني لإسقاط الحكومة، والتساؤل المطروح، هل ستتوحد الأحزاب المعارضة في البرلمان من أجل التصويت على سحب الثقة من الحكومة أو التصويت بالموافقة على ملتمس الرقابة؟ وهل لديها نفس الرؤى ونفس الأسباب التي تراها فرصة مناسبة لإسقاط الحكومة؟ إذ أن اختزال المعارضة في كونها تعارض الحكومة وتعرقل عملها، يعتبر اختزالا لا يأخذ بعين الاعتبار طبيعة المعارضة، وكيفية تعامل المعارضة مع الحكومة، ففي النظم الديمقراطية النيابية تعتبر المعارضة مكمل ضروري لها ودورها لا يتمثل في اكتشاف أخطاء الحكومة وتقديمها للرأي العام فقط، بل أكثر من ذلك، العمل سوياً مع باقي مكونات النظام الديمقراطي النيابي والسعي إلى المشاركة في هندسة مشروع حكم "يحظى بالموافقة من قبل الناخبين"[50]، وعلى هذا الأساس قد يكون هناك حزب أو بعض الأحزاب التي قد لا ترى مصلحة في التصويت على ملتمس الرقابة ضد الحكومة، رغبة منها في المشاركة في الحكم وفي منافسة الحكومة، وبالتالي قد يصعب إسقاط الحكومة في هذه الحالة.  وذلك على خلاف التجربة الدستورية الايطالية باعتبارها غنية من حيث تفعيل وتنشيط المسؤولية السياسية، ويؤدي ذلك في العديد من الأحيان إلى عدم الاستقرار، حيث أن الشروط الدستورية غير المعقلنة بالشكل المطلوب لتنظيم العلاقة بين البرلمان والحكومة أثرت بالملموس على عدم استقرار الحكومات الايطالية[51].

وفي كل الأحوال يظهر بأن النظام الحزبي وطبيعة الأحزاب هو الذي يحدد ويساهم في الاستقرار الحكومي من عدمه، وإذا كانت آلية المسؤولية السياسية تلعب دورا مهما في عدم الاستقرار الحكومي والمؤسساتي فهذا لا يعني أنه يشكل أمراً سلبياً بقدر ما يساهم في دمقرطة الممارسات البرلمانية وحل العديد من الأزمات المؤسساتية والسياسية[52].

2.        على مستوى الملك

إن تعرض الحياة المؤسساتية لعدم الاستقرار والتوازن تطرح فرضية إمكانية التدخل الملكي لإعادة مجرى الأمور إلى السير الطبيعي، فإذا كانت العلاقة بين المؤسسة البرلمانية ومؤسسة رئيس الحكومة يجب أن تطبعها روح التعاون والاشتغال معا في تدبير السياسات العامة، فإن أي عائق يمكن له أن يحول دون ذلك، يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية على مستوى تدبير الشأن العام الوطني وعلى مستوى الاستمرارية. وعلى هذا الأساس، فإن الدستور قد أرسى آليات يمكن الاحتكام إليها للوصول إلى حلول تؤدي إما إلى إعادة الأمور إلى سيرها العادي وإما إلى شل حركة المؤسسات بشكل مؤقت.

وعليه فإذا كان الملك يمثل جزءا مهما في الحياة السياسية والدستورية في المغرب وباعتباره رئيسا للدولة كان بالضرورة أن يكون من شأنه التدخل في تهدئة الأوضاع وإعادتها إلى نصابها، ولكن كيف يتم ذلك؟ ولماذا؟ ففي سياق حديثنا حول تفكك الأغلبية الحكومية، فقد أشرنا إلى عدة أجوبة دستورية وسياسية ممكنة، إلا أنها في آخر المطاف لا يمكن أن تؤدي إلى الحلول. وفي هذا السياق قد منح المشرع الدستوري إمكانيتين في يد الملك يمكن اللجوء إليها كلما كانت هناك أزمة مؤسساتية، فإما أن يلجأ إلى سلاح الحل وإما أن يلجا إلى تطبيق مضمون الفصل 42 من الدستور باعتباره رئيسا للدولة.

·        وضع حد لولاية مجلسي البرلمان أو أحدهما

بالرجوع إلى الدستور المغربي لسنة 2011 نجده ينص في الفصل 51 منه على ما يلي:" للملك حق حل مجلسي البرلمان أو أحدهما بظهير، طبق الشروط المبينة في الفصول 96 و 97 و 98...."، يتضح ظاهريا من خلال هذا الفصل بأن للملك سلطة واسعة في تجاوز التمثيلية البرلمانية، حيث يتدخل مباشرة لكي يضع حدا لمهام أحد مجلسي البرلمان أو هما معا، فسلاح الحل البرلماني لا يمكن اعتباره تجاوزا لسلطة البرلمان بل يعتبر وسيلة لتجاوز نتائج تعطيل المؤسسات[53]، وبالتالي فاستعماله من طرف رئيس الدولة (الملك) لا يمكن اللجوء إليه إلا في حالات خاصة مؤسساتية، وقد أكد في هذا الشأن الأستاذ مصطفى قلوش قائلا: "بأن الحق في حل البرلمان يستعمل لغايات متعددة منها:[54] تأمين استقرار الحكومة والنأي بها عن تقديم الاستقالة ويمكن أن يستعمل كوسيلة لحسم الخلاف بين الأحزاب التي لها تمثيل داخل البرلمان بقصد تحقيق أغلبية متجانسة قارة لم تكن متوافرة كما يلتجأ إليه كوسيلة يدافع بها رئيس الدولة عن آرائه التي يعتقد أنها تحقق المصلحة العامة وأن الشعب يؤيده فيها".

فالحل البرلماني إذن لا يأخذ معناه الحقيقي إلا انطلاقا من الظرفية السياسية التي فرضته[55]، فهو من ناحية الفلسفة الديمقراطية أهون وأخف وأسلم من اللجوء إلى الاستثناء، وبالتالي فالملك في النظام الدستوري المغربي أو رئيس الدولة في الأنظمة الأخرى[56] يمتلكون حق الحل في الحالة التي يستحيل معها تحقيق أي انسجام أو تجانس في علاقة الحكومة بالبرلمان، أو علاقة الأغلبية البرلمانية بالحكومة المنبثقة عنها، أو في حالة عدم الاستقرار السياسي الذي يمكن أن يحدث من جراء تصدع الأغلبية البرلمانية أو سحب دعمها للحكومة أو حدوث تغيير في الخريطة السياسية من شأنه أن يفقد الحكومة أغلبية برلمانية منسجمة داعمة لها.[57] وهو ما يسمح للملك في هذا المجال لكي يستعمل حق الحل الذي يؤدي بالضرورة إلى إجراء انتخابات برلمانية جديدة لصالح التوازن المؤسساتي، وهو ما يعني كذلك الاحتكام إلى الشعب للحسم في الأمر عن طريق الاقتراع، وفي هذا الصدد، تظهر الأهمية الكامنة لحق الحل لا كسلطة مطلقة للملك بل كسلطة تقريرية للإرادة العامة.[58]

فحق الحل إذن هو سلاح ووسيلة بيد الملك لإعادة بناء أغلبية جديدة منسجمة ومساندة للحكومة تفاديا لعدم الاستقرار والتوازن في العلاقة بين البرلمان والحكومة وهو ما يمكن أن نستشفه من منطوق الفصل 98 الذي ينص على أنه:" إذا وقع حل أحد المجلسين فلا يمكن حل المجلس الذي يليه إلا بعد مضي سنة على انتخابه، ما عدا في حالة تعذر توفر أغلبية حكومية داخل مجلس النواب الجديد".

·        استعمال الفصل 42 من الدستور[59]

انطلاقا من هذا الفصل نجد أن الملك يتمتع من خلاله بالعديد من الاختصاصات التي جاءت عامة، ويمكن أن مختلف جميع الميادين والمجالات. وفي هذا السياق كان لابد أن نعود بعض الشيء إلى الوراء للتذكير بالمكانة التي كان يحتلها الفصل 19 في الدساتير السابقة الذي طالما خضع لعدة تأويلات فقهية وقانونية، حيث يقول في هذا الصدد الأستاذ مصطفى قلوش بشأن هذه التأويلات التي حاولت رصد أهمية ومكانة الفصل 19 من الدستور المغربي ما يلي: " اللافت للنظر هو أن الباحثين الذين تناولوا هذا الفصل بشيء غير قليل من البيان، انتهى الأمر بهم إلى إعطاء الفصل 19 بعدا يكاد يهمش الوثيقة الدستورية بما تتضمنها من مقتضيات وأحكام، كما أن البعض من جراء عدم تبين حقيقة وأهمية الفصل 19 قرر دون روية أن النص الدستوري يتميز فقط بقيمة رمزية.[60]  وحسب أحد الباحثين فإن الفصل 19 كان له مخزون عام يمكن اقتصاده في العناصر التالية[61]:

·        المخزون الديني: إمارة المؤمنين وحماية الدين

·        المخزون الوطني باعتباره الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة

·        المخزون الرمزي المتعلق بالتمثيلية الأسمى للأمة ورمز وحدتها

·        المخزون السياسي والقانوني ويتجلى في حماية الدستور وصيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات.

كما يضيف نفس الباحث[62] بأن الفصل 19 يمكن أن يخضع لتأويل عرضي أو مناسباتي، والذي ينصب حول حل إشكالات قانونية أو سياسية لا يؤطرها الدستور إما نتيجة لغموض وعمومية وتردد النص الدستوري، وإما نتيجة للطابع الاختزالي للدستور المغربي ككل. حيث أن التفاعلات والحاجات التي يفرزها الحقل السياسي، تستوجب تدخل رئيس الدولة أحيانا كملك دستوري وأحيانا كأمير المؤمنين، إما من أجل حل خلافات دستورية وسياسية عبر استعماله لسلطة التحكيم وإما من أجل مراقبته لمختلف التفاعلات عبر استقرائه لتحركات الحقل السياسي المغربي وللفاعلين فيه.

وعموما إذا كان للملك صلاحيات واسعة بموجب الفصل 19 من الدساتير السابقة وخضع لتأويلات عدة نظرا لاستحالة الفصل بين تمثيليته كرئيس الدولة وتمثيليته كأمير المؤمنين، فإنه بعد دخول دستور المملكة لسنة 2011 نجده قد حاول أن يخفف من تلك الحمولة التي كان يحملها الفصل، ونمت تجزئته إلى فصلين، فصل يتعلق بمهام إمارة المؤمنين وهو الفصل 41، وفصل يتعلق بمهام الملك باعتباره رئيسا للدولة، وبالتالي يتضح بأن المشرع الدستوري في دستور 2011 كان أكثر ليبرالية[63] من نظيره في الدساتير السابقة، عندما حاول أن يفصل بين المهام والصلاحيات التي يتمتع بها الملك. وفي نفس السياق كان لابد من أن نجيب على التساؤلات التالية: هل يمكن ويحق للملك أن يتدخل من تلقاء نفسه لحل الأزمة بناء على الفصل 42؟ وهل يحق لحزب في التحالف الحكومي أن يطلب التدخل الملكي بناء على نفس الفصل؟

إذا حاولنا أن نستخرج العناصر الأساسية الواردة في مضمون الفصل 42 من الدستور والتي يمكن من خلالها للملك كرئيس دولة (وليس كأمير المؤمنين كما كان الأمر عليه سابقا)[64] أن يتدخل لحل الخلاف فسوف نحددها على الشكل التالي:

·        الملك كضامن لدوام الدولة واستمرارها

·        الملك الحكم الأسمى بين مؤسسات الدولة

·        الملك كساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات.

فالملك هنا يظهر بأنه يتمسك بخيوط الحلول الأساسية خاصة في حالة الأزمات ويظهر فاعلا عاديا متوازنا مع الفاعلين الآخرين في الحالات التي يكون التوافق سائدا وغير مثير لمركزه[65] فهو الضامن لدوام الدولة واستمرارها إذا ما كان هنالك عائق داخلي أو خارجي يتهددها، ويظهر كحكم[66] أسمى بين المؤسسات في الدولة في حالة الخلاف بينهما، كما يقوم بوظيفة السهر على احترام الدستور في حالة ما إذا تم تجاوزه أو مخالفته، ويسهر على حسن سير المؤسسات في حالة تقاعسها.

وإذا كنا نتحدث في سياق موضوعنا عن الخلاف داخل صفوف الأغلبية الحكومية فهل يعتبر هذا خلافا بين المؤسسات يعطي للملك الحق في التحكيم؟ حيث اعتبر البعض بأن الملك لا يمكن أن يتدخل عن طريق التحكيم إذا ما طلب منه ذلك في حالة الخلاف بين أحزاب في الائتلاف الحكومي.

لكننا إذا تمعنا جيدا في مضمون الفصل 42 في مقطعه المتعلق بالتحكيم الأسمى بين المؤسسات، فلا يسعنا إلا أن نستخلص النتائج التالية:

·        الملك يعتبر حكما أسمى بين مؤسسات الدولة، وهو ما يعني في حالة الخلاف بين البرلمان والحكومة، حول أمور توجد لها مخارج وحلول أخرى دستورية، فإنه يتم اللجوء إلى الآليات الدستورية أولا لحل الخلاف، وثم الآليات التوافقية وآليات التراضي والتنازلات السياسية حول مكامن الخلاف باعتبارها آليات للتحكيم الأدنى.

·        أنه يمكن أن يحتكم إلى الملك في الخلافات التي تنشب بين الأحزاب السياسية، وهنا يثار الجدل، وقد يقول قائل بأن الملك يمارس التحكيم بين المؤسسات وليس بين الأحزاب، لكن هذا القول مردود عليه وتبقى نظرة محدودة في التفسير، إذ أن الصراعات والأزمات التي يمكن أن تحدث في التحالف الحكومي يكون لها أبعاد سياسية ومؤسساتية، فعلاقة التأثير والتأثر يجب استحضارها لفهم علاقة الأحزاب بالمؤسسات خصوصا إذا كانت لهذه الأحزاب تمثيلية داخل المؤسسات. وبالتالي يحق أن تلجأ الأحزاب لطلب التحكيم الملكي لكن ليس مباشرة وإنما بعد استنفاذ الآليات التوافقية وفي غياب نص دستوري يحتكم إليه.

إن التحكيم الملكي لا يجب أن يفهم على أنه تكريس لسلطة مطلقة ولسمو الملك على باقي المؤسسات الأخرى بل باعتباره رئيسا للدولة وليس كأمير المؤمنين كما كان عليه الأمر سابقا[67]، وهذا معمول به في معظم الأنظمة البرلمانية المقارنة.

خاتمة

يمكن القول إن العلاقة بين المؤسسات السياسية يجب أن تكون علاقة استقرار وتوازن واستمرار، وهو ما يحاول المشرع الدستوري دائما أن يحدد ضوابطها ويقيد مداها، وما دامت الحياة السياسية مطبوعة بالحركة والتطور وعدم الثبات فإنه لا يمكن أن يحتمل أو يتوقع جميع الحوادث التي يمكن أن تقع في المستقبل. وهو ما يستدعي البحث عن حلول ومخارج دستورية للحؤول دون قصور النص الدستوري. وعلى هذا الأساس يتضح لنا من خلال ما تناولناه أن المشرع الدستوري رغم تطرقه إلى كيفية تشكيل الحكومة والعلاقة بينها وبين البرلمان بشكل صريح، إلا أنه ظل صامتا أو غامضا فيما يخص تقنين حالة الأزمة التي يمكن أن تحدث بين صفوف الأغلبية الحكومية في ظل المشهد السياسي والحزبي بالمغرب الذي لا يساعد على تشكيل حزب أغلبي، مما يجعل العلاقة بين المؤسسات دائما عرضة لعدم التوازن وعدم الاستقرار الوزاري، وهو ما يفتح المجال للاجتهاد في السبل الدستورية الممكنة الصريحة منها والضمنية.  انطلاقا من كل ما عالجناه في هذا الموضوع يمكن أن نستخلص النتائج التالية:

-        أنه لا يمكن أن قراءة قرار الانسحاب من الحكومة إلا من خلال النص الدستوري ككتلة نصية واحدة.

-        استحالة تشكيل حكومة من طرف حزب واحد نظرا لاستحالة الحصول على الأغلبية المطلقة للأصوات في ظل التعددية الحزبية.

-        الدور الأساسي لنمط الاقتراع في تحديد الخريطة السياسية للبرلمان والحكومة.

-        الدستور الجديد للمملكة حاول أن يرتقي بمكانة مؤسسة الحكومة.

-        بروز ثنائية السلطة التنفيذية.

-        التمثيلية أصبح يمتلكها البرلمان.

-        تقييد بعض صلاحيات الملك.

-        لا يمكن أن يطلب من الملك التحكيم إلا بعد استنفاذ الآليات الدستورية باعتباره الحكم الأسمى.

-        ضرورة تطوير الأحزاب لممارستها والخروج من منطق المساومات إلى منطق التوافقات خدمة للصالح العام.

-        الصراع داخل الأغلبية دليل على غياب برنامج توافقي على المستوى الوطني.



[1] نبيلة عبد الحليم كامل، الأحزاب السياسية في العالم المعاصر، دار الفكر العربي للنشر، القاهرة، 1980 ص:7.

[2] موريس دوفرجيه، مدخل إلى علم السياسة، ترجمة الدكتور جمال الأتاسي والدكتور سامي الدروبي، مركز الثقافة العربي ومؤسسة محمد بن رشد آل كلثوم، الطبعة الأولى أكتوبر 2009، ص: 21.

[3] أحمد حضراني، القانون الدستوري والمؤسسات السياسية، مطبعة وراقة سجلماسة مكناس، طبعة 2005، ص:5.

[4] تنص المادة 11 من دستور 2011 على ما يلي: "الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي".

[5] المادة 11 من دستور 2011.

[6] نبيلة عبد الحليم كامل، م.س. ص: 16.

[7] نبيلة عبد الحليم كامل، م.س.، ص:18.

[8] دستور المملكة 2011 الصادر الأمر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.11.91 صادر في 27 من شعبان 1432(29 يوليو 2011)، الجريدة الرسمية عدد 5964 مكرر، 28 شعبان 1432(30 يوليو 2011).

[9] ينص الدستور المغربي في فصله 11 على ما يلي: "الانتخابات الحرة والنزيهة ... هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي".

[10] يوسف اليحياوي، إشكالات التمثيلية السياسية في النظام السياسي المغربي "دراسة في الفصل 19 من الدستور المغربي وتأثيراته على التمثيلية الشعبية"، منشورات مجلة الحقوق المغربية، سلسلة الأعداد الخاصة، العد 2، أبريل 2011، ص: 82-85.

[11] المرجع نفسه، ص: 84.

[12] الفصل السادس من دستور 2011.

[13] محمد معتصم، الحياة السياسية المغربية، مؤسسة إيزيس للنشر، الدار البيضاء، 1992، ص: 143 وما بعدها.

[14] سعيد خمري، روح الدستور "الإصلاح: السلطة والشرعية بالمغرب"، منشورات دفاتر سياسية/ سلسلة نقد السياسة، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الاولى 2012، ص:148.

[15] محمد معتصم، الحياة السياسية المغربية، م.س، ص:144.

[16] عبد الغني اعبيزة، المقاربة الدستورية للتعيين الملكي لرئيس الحكومة على ضوء النمط الحزبي بالمغرب، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة دراسات، عدد 100-99، يوليوز أكتوبر 2011، ص: 131.

[17] عيد الغني اعبيزة، المقاربة الدستورية...، نفس المرجع، ص: 134.

[18] خالد الشرقاوي السموني، الإشكالية الدستورية المتعلقة بتعيين الوزير الأول والوزراء، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، سلسلة دراسات، عدد 47، نونبر-دجنبر 2002، ص: 26.

[19] مصطفى قلوش، النظام الدستوري المغربي – المؤسسة الملكية-، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، طبعة 1996-1997، ص:35.

[20] انظر في هذا الصدد: خالد الشرقاوي السموني، م.س، ص:27-31. زكرياء أقنوش، تحديد مكانة الفصل 19 في النظام الدستوري والسياسي المغربي، مجلة الحقوق المغربية، "الفصل 19 من الدستور: الدلالات الشرعية والأبعاد القانونية"، سلسلة الأعداد الخاصة 2 العدد الثاني، أبريل 2011، ص: 249-251.

[21] مصطفى قلوش، م.س، ص: 36.

[22] عبد الكريم غلاب، التطور الدستوري والنيابي بالمغرب (1992-1908)، الطبعة الثالثة، 1993، ص:102.

[23] كل شيء عن الانتخابات التشريعية ل 7 شتنبر 2007، م.م.إ.م.ت، سلسلة نصوص ووثائق العدد 194، الطبعة الاولى 2008، ص: 236.

[24] أحمد مفيد ملاحظات منهجية حول تنزيل الوثيقة الدستورية، م.م.إ.م.ت، "الدستور الجديد للمملكة المغربية"- دراسات مختارة-، سلسلة مواضيع الساعة، عدد 82، الطبعة الأولى 2013، ص: 65، انظر كذلك: أحمد مفيد، ملاحظات منهجية حول تنزيل الوثيقة الدستورية، م.م.إ.م.ت، سلسلة دراسات، عدد 103، مارس- أبريل 2012، ص:15.

[25] ظهير شريف رقم 1.11.183 صادر في محرم 1433(29 نوفمبر 2011) بتعيين السيد عبد الإله ابن كيران رئيسا للحكومة، الجريدة الرسمية عدد 6000 الصادرة بتاريخ 5 محرم 1433 (فاتح ديسمبر 2011).

[26] مصطفى قلوش، م.س، ص:36.

[27] خالد الشرقاوي السموني، م.س، ص: 32.

[28] ظهير شريف رقم 1.12.01 صادر في 9 صفر 1433 (3 يناير 2012) بتعيين أعضاء الحكومة، الجريدة الرسمية عدد 6009 مكرر بتاريخ 10 صفر 1433(4 يناير 2012).

[29] انظر في هذا الخصوص: عبد الغني اعبيزة، المقاربة الدستورية للتعيين الملكي...، م.س، ص: 134-136.

[30] عبد الغني اعبيزة، المقاربة الدستورية...، م.س، ص:135.

[31] خالد الشرقاوي السموني، م.س، ص: 34.

[32] ينص الفصل 88 على ما يلي: " بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان، مجتمعين، ويعرض البرنامج الذي يعتزم تطبيقه...

تعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة مجلس النواب المعبر عنها بتصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم لصالح البرنامج الحكومي".

[33] عامر رمضان أبو ضاوية، المعارضة البرلمانية والديمقراطية النيابية "على ضوء الدروس السياسية المستفادة من أسباب انهيار جمهورية فايمر الألمانية"، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط منشورات مركز ليبيا للدراسات الاستراتيجية والمستقبلية، الطبعة الأولى 2012، ص:47.

[34] عبد الغني اعبيزة، المسؤولية السياسية للحكومة والنمط الحزبي: أية علاقة؟ م.م.إ.م.ت، سلسلة دراسات، العدد 47، نونبر- دجنبر 2002، ص: 39.

[35] كان مشروع دستور 1908 ينص في المادة 60 على ما يلي:" إن عزل الوزير الأكبر من منصبه أو اعتزاله من تلقاء نفسه، عزلت معه سائر الوزراء وسقطت الوزارة أما إن عزل الوزراء جميعهم فلا يعزل الوزير الأكبر ولا تسقط وزارته".

- أما دستور 1962 فنص في المادة 24 على ما يلي:" يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا أفرادا أو جماعة ".

- أما دستوري 1970 و1972 فنصا في المادة 24 على ما يلي:" يعين الملك الوزير الأول والوزراء ويعفيهم من مهامهم ويقيلهم إن استقالوا".

- وفي ظل دستوري 1992 و1996 جاء في المادة 24 ما يلي:" يعين الملك الوزير الأول ويعين باقي أعضاء الحكومة باقتراح من الوزير الأول.

وله أن يعفيهم من مهامهم.

ويعفي الحكومة بمبادرة منه أو بناء على استقالتها".

[36] في هذا الصدد يقول الأستاذ مصطفى قلوش: "فيما يخص إقالة الحكومة أو قبول استقالتها فإن الملك احتفظ بحقه المطلق في إعفاء الحكومة، فللمك الحق في أن يعفي الوزراء جلهم أو بعضهم بمبادرة فردية منه أو نتيجة لقبول استقالتهم، كما له الحق في أن يعفيهم بصفة جماعية وذلك وقت إعفاء الوزير الأول وتعيين آخر محله"، مصطفى قلوش، م. س، ص: 37.

[37] للاستزادة أكثر حول موضوع إنهاء مهام الحكومة انظر في ذلك: أمينة المسعودي، الوزراء في النظام السياسي المغربي (1955-1992) الأصول – المنافذ – الآمال، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 2001، الصفحات من 249 إلى 295.

[38] خالد الشرقاوي السموني، م.س، ص: 35.

[39] تنص المادة 64 من الدستور الاسباني لسنة 1978 على ما يلي: "إن أعمال الملك يوقع عليها بالعطف، رئيس الحكومة ...

الأشخاص الذين يوقعون بالعطف يساءلون عن أعمال الملك".

[40] للاستزادة أكثر حول دلالة التوقيع بالعطف والقيمة القانونية للظهير انظر: محمد أشركي، الظهير الشريف في القانون العام المغربي، دار الثقافة للنشر، ط: 1983، ص: 131-150.

[41] للإطلاع على الصيغة القانونية لإقالة الحكومة انظر: أمينة المسعودي: م.س، ص: 266-273.

[42] أمينة المسعودي، م.س، ص:253.

[43] بالرجوع إلى الدستور الإسباني لسنة 1978 نجده ينص في المادة 101 على ما يلي:" تنتهي مهام الحكومة عقب إجراء الانتخابات العامة، وفي حالة فقدان الثقة البرلمانية المنصوص عليها دستوريا، أو إثر وفاة أو استقالة رئيس الحكومة".

[44] خالد الشرقاوي السموني، م.س، ص: 35.

[45] تنص المادة الثامنة من الدستور الفرنسي لسنة 1958 المعدل في 23 يوليو 2008 على ما يلي:" يعين رئيس الجمهورية الوزير الأول...

كما يعين أعضاء الحكومة الآخرين وينهي مهامهم بناء على اقتراح من الوزير الأول".

-          كما تنص المادة 62 من دستور المملكة الإسبانية لسنة 1978 في فقرتها الخامسة على أنه يسند للملك:" أن يعين ويعزل أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها".

-          كما تنص المادة 100 من الدستور الإسباني كذلك على ما يلي:" يعين الملك باقي أعضاء الحكومة ويعزلهم باقتراح من رئيسها".

[46] عبد الغني اعبيزة، المسؤولية السياسية للحكومة والنمط الحزبي، أية علاقة؟ م.س، ص: 39.

[47] "في الديمقراطية التعددية يقال ائتلاف حكومي عن حكومة تضم وزراء يأتون من أحزاب مختلفة، هذه الصيغة تفرض نفسها عموما عندما لا تملك أي تشكيلة حزبية الأكثرية المطلقة في البرلمان ولكن يمكن اللجوء إليها في ظروف خطيرة استثنائيا، ويتطلب ذلك توافقا وطنيا على أوسع ما يمكن، فإذا كان عدد الأحزاب الممثلة في البرلمان كبيرا جدا فإن عدد التطبيقات الوزارية المعقولة نظريا يترك للمكلف بتشكيل الحكومة هامشا للمناورة يسمح له ألا يعتمد إلا قليلا على المطالب التي يطرحها كل طرف شرطا لاشتراكه في الحكومة، كما أن ممارسة الحكومة الائتلافية تجعل بقاءها متوقف على الانسحاب المحتمل الذي قد يقرره قادة التشكيلات المشتركة في الحكومة وهو ما يشكل في نفس الوقت ضغطا على الطريقة التي يمارس بها رئيس الحكومة سلطته على وزرائه وعلى الطريقة التي ينفذ بها البرلمان آليات المسؤولية الملحوظة في الدستور."  انظر: غي هيرمي – برنراند بادي- بيار بيرنبوم- فيليب برو، معجم علم السياسة والمؤسسات السياسية، ترجمة هيثم اللمع، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2005، ص: 8.

[48] عبد اللطيف أكنوش، واقع المؤسسة والشرعية في النظام السياسي المغربي على مشارف القرن الواحد والعشرين، مكتبة بروفانس الدار البيضاء، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1999، ص:54.

[49] تدل حكومة أقلية في نظام ديمقراطي تمثيلي، على تشكيل حكومي هو حصيلة ائتلاف برلماني هو الأقل عددا، وهذا ما يحدث عندما تؤدي الانقسامات الحزبية إلى استحالة تشكيل ائتلاف أكثرية فتظهر تعددية ائتلافات أقلية ممكنة.... وقد تنتج حكومة أقلية أيضا عن الانسحاب من الائتلاف الحكومي لبعض التشكيلات التي تؤلفه". - معجم علم السياسة والمؤسسات السياسية، مرجع سابق، ص: 65-66.

[50] عامر رمضان أبو ضاوية، مرجع سابق، ص: 81.

[51] عبد الغني اعبيزة، البرلمان والمسؤولية السياسية للحكومة – دراسة تحليلية مقارنة للتجارب البرلمانية-، دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2008، ص: 80-83.

[52] المرجع نفسه، ص: 94.

[53] P.Pactet et F.Mélin-Soucramanien, Droit constitutionnel, 31e édition, Dalloz, 2012, P : 424.

[54] مصطفى قلوش، النظام الدستوري المغربي...، مرجع سابق، ص: 105.

[55] نجيب الحجيوي، سمو المؤسسة الملكية في المغرب، -دراسة قانونية-، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون العام، جامعة محمد الخامس أكدال-الرباط، السنة الجامعية 2000/2001، ص:138.

[56] طبقا للفصل الثاني عشر من الدستور الفرنسي لسنة 1958 يحق لرئيس الجمهورية أن يحل الجمعية الوطنية، للمزيد من التفاصيل انظر:

- P.Pactet et F.M.Soucramanien, Op.cité, P : 422-424. Philippe Ardant et B.Mathieu, institution politiques et droit constitutionnel, 20e édition, LGDJ, Montchrestien, 2008, P : 486-487.

[57] عبد الإله فونتير، العمل التشريعي بالمغرب، أصوله التاريخية ومرجعياته الدستورية –دراسة تأصيلية تطبيقية-الجزء الثالث، سلسلة دراسات وأبحاث جامعية4، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى: 2002، ص: 36.

[58] لابد من أن نشير هنا إلى النقاشات الفقهية والقانونية التي أثارها حق الحل البرلماني الذي طالما اعتبر احتكارا للملك في مجال الوظيفة التشريعية وانتقاصا من دور البرلمان، حيث كان الملك يتمتع دستوريا بحق ممارسة الوظيفة التشريعية أثناء حل البرلمان، رغم أن الممارسة لم تثبت لجوء الملك إلى حل البرلمان في ظل التجارب الدستورية السابقة. وإذا رجعنا إلى دستور المملكة لسنة 2011 فلن نجد أي نص دستوري يشير إلى ان الملك يمارس وظيفة التشريع في حالة الحل، وفي هذا الصدد يمكن أن تطرح إشكالية من يملأ الفراغ؟ فغياب التنصيص الدستوري في هذا المجال لا يعني عدم التدخل الملكي لكي يشرع بل يمكن له ذلك بناء على الفصل 42 من الدستور، وهنا يطرح تساؤل الغاية التي تغياها المشرع الدستوري في العدول عن الصياغة السابقة؟ حيث لا يجب أن يفهم هذا على أنه إغفال دستوري، وهو ما يمكن أن يدل على المرونة التي يحاول المشرع الدستوري أن يضفيها على العلاقة بين المؤسسة البرلمانية والملك.

[59] ينص الفصل 42 من دستور المملكة لسنة 2011 على ما يلي:" الملك، رئيس الدولة، وممثلها الأسمى، ورمز وحدة الأمة، وضامن دوام الدولة واستمرارها، والحكم الأسمى بين مؤسساتها، يسهر على احترام الدستور، وحسن سير المؤسسات الدستورية، وعلى صيانة الاختيار الديمقراطي، وحقوق وحريات المواطنين والمواطنات والجماعات، وعلى احترام التعهدات الدولية للمملكة...... يمارس الملك هذه المهام، بمقتضى ظهائر، من خلال السلطات المخولة له صراحة بنص الدستور."

[60] مصطفى قلوش، سمو وعلو المؤسسة الملكية من خلال التأويل الفقهي والتحليل القانوني للفصل 19 من الدستور، مجموعة مقالات منشورة بجريدة الحركة، مجموعة في كتاب تحت عنوان " التأصيل الفقهي لبعض الإشكالات الدستورية".

[61] نجيب الحجيوي، سمو المؤسسة الملكية...، مرجع سابق، ص: 254-263.

[62] نفس المرجع، ص: 278 وما بعدها.

[63] إذا رجعنا إلى التجربة المقارنة نجد أن الفصل 56 من دستور المملكة الإسبانية ينص على ما يلي: " الملك هو رئيس الدولة ورمز وحدتها واستمراريتها، وهو الحكم المعدل لوظيفة تنظيم المؤسسات. يتول التمثيل الأسمى للدولة الإسبانية في العلاقات الدولية خاصة مع أمم جماعاتها التاريخية، ويمارس الوظائف التي أسندها إليه الدستور والقوانين صراحة".

- كما نص دستور الجمهورية الفرنسية لسنة 1958 المعدل في 23 يوليو 2008 في المادة الخامسة على ما يلي:" يسهر رئيس الجمهورية على احترام الدستور، ويضمن عبر تحكيمه السير المنتظم للسلطات العامة واستمرارية الدولة.

وهو حامي الاستقلال الوطني والسلامة الترابية واحترام المعاهدات."

[64] ردا على انسحاب نواب المعارضة الاتحادية من مجلس النواب احتجاجا على إضافة سنتين إلى مدة انتداب مجلس النواب في 9 أكتوبر 1981 قال المرحوم الملك الحسن الثاني في خطابه:" ... إذا لم يكن الملك الدستوري بإمكانه التدخل فإن أمير المؤمنين بموجب الكتاب والسنة يحق له ذلك". مأخوذ من أطروحة نجيب الحجيوي، م.س، ص:280.

[65] محمد الغالي، جدلية الثابت والمتحول في دستور 2011 في ضوء قراءة السياق والركائز والأهداف، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة الأعداد الخاصة، العدد 5، مطبعة المعارف الجديدة، الطبعة الأولى ماي 2012، ص: 56.

[66] لمزيد من التفصيل حول دور الملك كضامن وحكم، انظر في ذلك:

- Christophe Boutin, La place du souverain dans la nouvelle constitution du royaume, REMALD, thèmes actuels, « La constitution Marocaine de 2011 –lectures croisées », N°77, première édition 2012, P : 43-48.

[67] إن خطاب الملك الراحل الحسن الثاني يؤكد هذا التدخل باعتباره أمير المؤمنين ومما جاء فيه: " أريد أن أقول إن من واجباتي وواجبات البيعة... أن أعطي لكل ذي حق حقه، ولهذا لم أتهرب قط من التحكيم ولن أتهرب قط من أي تحكيم".  مأخوذ عن: العشوري محمد فؤاد، مفهوم الملكية البرلمانية في النظام السياسي المغربي من خلال دستور 2011، منشورات مجلة الحقوق، سلسلة الأعداد الخاصة، عدد 5، م.س، ص:/106.

ساهم في مرايا

ترحب مرايا بالدراسات والمقالات والترجمات والقراءات النقدية في السياسة والقانون والحقوق.

شروط المساهمة والنشر ←